اتجاهات مستقبلية ‹ جريدة الوطن
اتجاهات مستقبلية
مراكز الفكر: من إنتاج المعرفة إلى صناعة التأثير في معارض الكتب الدولية
تُشير البيانات الحديثة الصادرة عن أبرز معارض الكتب الدولية، إلى جانب مؤشرات صناعة النشر العالمية، إلى تحوّلٍ بنيويٍّ في وظيفة هذه الفعاليات؛ إذ لم تعد تقتصر على وصفها منصّات لعرض الإصدارات الجديدة، بل باتت أقرب إلى فضاءات مركزية لإنتاج المعرفة، وإعادة تشكيل مسارات التأثير الثقافي والمعرفي على نطاق عالمي.
فعلى سبيل المثال يعكس معرض فرانكفورت الدولي للكتاب 2025 هذا التحوّل بوضوح؛ حيث شهدت الدورة السابعة والسبعون من معرض فرانكفورت الدولي للكتاب، التي أُقيمت خلال الفترة من 15 إلى 19 أكتوبر 2025، حضورًا قويًّا يعكس مكانته بوصفه أحد أكبر المنصّات العالمية لصناعة النشر وحقوق الملكية الفكرية. فقد استقطب المعرض نحو 238 ألف زائر إجمالي، من بينهم حوالي 118 ألف زائر مهني، و120 ألف زائر عام، مع مشاركة امتدت إلى أكثر من 131 دولة حول العالم.
وعلى المستوى العالمي الأوسع، يُشير تقرير الاتحاد الدولي للناشرين (IPA) إلى أن صناعة النشر تحقق إيرادات سنوية تتجاوز 120 مليار دولار أمريكي، مع تنامي دور الفعاليات الدولية في إعادة تشكيل سلاسل القيمة المعرفية. كما يوضّح التقرير أن المحتوى الرقمي بات يُشكل أكثر من 25% من إجمالي سوق النشر في عدد من الاقتصادات المتقدمة، بما يعكس تسارع التحوّل نحو بيئات معرفية أكثر ديناميكية وتفاعلية.
في هذا السياق، لم يقتصر التحول على البنية الاقتصادية للنشر، بل امتد ليعيد تعريف أدوار الفاعلين المعرفيين الجدد، وفي مقدمتهم مراكز الفكر؛ إذ لم تعد تكتفي هذه المؤسسات بإنتاج الدراسات والتقارير الأكاديمية، بل باتت تُوظّف معارض الكتب بوصفها منصّات استراتيجية لتقديم المعرفة بصيغ تفاعلية، وبناء شبكات تأثير ممتدة نحو صنّاع القرار، والإعلام، والمؤسسات البحثية حول العالم.
وبذلك، تتجلّى معارض الكتب الدولية اليوم بوصفها بنى معرفية عابرة للحدود، تتقاطع فيها الأبحاث مع السياسات، والنشر مع التأثير، في مشهد يعكس انتقال المعرفة من وصفها منتجًا أكاديميًّا إلى وصفها قوة فاعلة في تشكيل الرأي العام، وصياغة الاتجاهات العالمية الكبرى.
واتساقًا مع هذا التحوّل، تُشارك مجموعة «تريندز»، عبر مكتبها الافتراضي في المغرب، في النسخة الحادية والثلاثين من المعرض الدولي للنشر والكتاب في الرباط؛ حيث تعرض أكثر من 450 إصدارًا نوعيًّا في مجالات الاقتصاد والجغرافيا السياسية والتكنولوجيا والعلوم الاجتماعية، إلى جانب تنظيم لقاءات فكرية مع مراكز بحثية ومؤسسات أكاديمية من دول شمال أفريقيا، وتعزيز الشراكات المعرفية مع دور نشر دولية بما يدعم حركة الإنتاج الفكري إقليميًّا ودوليًّا.
وتشهد هذه النسخة من المعرض، الذي تنظمه وزارة الشباب والثقافة والتواصل المغربية، مشاركة أكثر من 891 دار نشر ومؤسسة ثقافية من 61 دولة، مع اختيار فرنسا ضيف شرف، واستضافة نخبة من المفكرين والباحثين والخبراء من مختلف أنحاء العالم، بما يُعزز مكانته بوصفه أحد أبرز المنصّات الثقافية والفكرية الدولية في المنطقة العربية.
وفي الختام؛ يتّضح أن معارض الكتب الدولية لم تعد مجرّد محطات سنوية لعرض الإصدارات، بل تحوّلت إلى بنى مؤسسية لصناعة التأثير المعرفي العالمي. وفي قلب هذا التحوّل، تبرز مراكز الفكر بوصفها فاعلًا رئيسيًّا يُعيد تعريف العلاقة بين المعرفة والتأثير، وبين النشر وصناعة القرار. ومع استمرار هذا التداخل المتنامي بين الإنتاج الفكري والفضاءات الدولية المفتوحة، يبدو أن مستقبل المعرفة يتجه نحو نموذج أكثر تفاعلية؛ حيث لا تُقرأ الأفكار فقط، بل تُصاغ وتُختبر وتُوظف داخل ساحات التأثير العالمية.



