تقنية

الحرب الإلكترونية في عصر الذكاء الاصطناعي.. صراع على الطيف الكهرومغناطيسي


كشفت مجموعة الدفاع الفرنسية “تاليس” عن تصور جديد لتطوير الحرب الإلكترونية عبر دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي، في خطوة تعكس تحولات عميقة يشهدها ميدان الصراع الحديث، الذي بات يعتمد بشكل متزايد على السيطرة على الطيف الكهرومغناطيسي.

جاء ذلك في وثيقة تحليلية صادرة عن وحدة الذكاء الاصطناعي التابعة للمجموعة cortAIx، ونشرتها مجلة “زون مليتير” العسكرية الفرنسية، حيث تؤكد أن التفوق في الحروب المستقبلية لن يعتمد فقط على القوة النارية، بل على القدرة على رصد الإشارات وتحليلها والتشويش عليها في الزمن الحقيقي.

وأوضحت المجلة الفرنسية أنه “قبل عدة عقود، كانت الحرب الإلكترونية مجالًا متخصصًا يقتصر على مئات قليلة من الخبراء المجهولين. أما اليوم، فقد أصبحت عنصرًا حاسمًا في تحديد نتائج المعارك”. ففي مسرح العمليات الأوكراني، يتم تعطيل ما بين 60% إلى 80% من الطائرات المسيّرة عبر وسائل إلكترونية، في حين تمثل هذه المسيّرات نفسها نحو 80% من الخسائر المادية والبشرية الموثقة.

ونشرت شركة “تاليس” عبر ذراعها المتخصص في الذكاء الاصطناعي cortAIx وثيقة حول دمج الذكاء الاصطناعي في الحرب الإلكترونية، توضح فيها ما يمكن أن تضيفه هذه التقنية، وأين تتوقف قدرات الأنظمة الحالية، وما الذي لا يمكن توقعه منها بشكل واقعي، وهو طرح نادر في التواصل الصناعي الدفاعي.

خبرة روسيا

تمتلك روسيا واحدة من أقدم وأكثر العقائد خبرة في الحرب الإلكترونية. فبعد حرب جورجيا عام 2008، أطلقت موسكو إصلاحًا شاملًا دمج هذه القدرات في جميع مستويات قواتها البرية، من المستوى الاستراتيجي حتى المشاة.

وتعمل اليوم خمس ألوية متخصصة عبر المناطق العسكرية الروسية، تستخدم أنظمة تغطي كامل الطيف الكهرومغناطيسي، من نظام “Krasukha-4” لتعطيل الرادارات الجوية حتى 300 كم، إلى نظام “Borisoglebsk-2” للتشويش على الاتصالات التكتيكية، ونظام “Leer-3” لتعطيل شبكات GSM عبر الطائرات المسيّرة وإرسال رسائل نفسية للجنود المعادين.

وفي عام 2017، بدأت روسيا نشر نظام “Bylina”، وهو نظام قيادة آلي مدعوم بالذكاء الاصطناعي يحدد الإشارات المعادية ويطلق إجراءات مضادة خلال ثوانٍ.

وفي أوكرانيا، سُجلت آثار ملموسة لهذه القدرات، حيث تعرضت أنظمة التوجيه مثل JDAM وHIMARS لتشويش أثر على دقتها، كما فقدت طائرات “بيرقدار TB2” فعاليتها تدريجيًا بسبب قطع الاتصال بينها وبين المشغلين. ويظهر أن سرعة التكيف في هذا المجال تجعل أي تقنية فعالة اليوم قابلة للتجاوز خلال أيام قليلة، ما يجعل الأنظمة التقليدية القائمة على قواعد ثابتة غير كافية.

نهج الصين

تتبنى الصين نهجًا مختلفًا وأكثر بنيوية على المدى البعيد، إذ تعتبر العقيدة العسكرية الصينية أن السيطرة على الطيف الكهرومغناطيسي شرط أساسي للسيطرة على بقية ميادين القتال.

وفي عام 2015، أنشأت بكين “قوة الدعم الاستراتيجي لجيش التحرير الشعبي”، التي جمعت القدرات الفضائية والسيبرانية والإلكترونية في قيادة واحدة. كما توسعت في إنشاء قواعد اعتراض في جزيرة هاينان، ونشر أنظمة استخبارات إشارات (SIGINT) في بحر الصين الجنوبي، وبناء شبكة استشعار موزعة.

وفي يناير/كانون الثاني 2025، نشر معهد تابع لمجموعة CETC الدفاعية الصينية نتائج محاكاة عسكرية أظهرت قدرة أنظمة صينية على تعطيل توجيه صواريخ أمريكية من نوع LRASM عبر التشويش، وخلصت الدراسة إلى أن الأنظمة الصينية قادرة على تحديد موقع الصاروخ بدقة تسمح بالتشويش الموجّه، ما يشير إلى قدرات كشف أعلى مما تتوقعه التصاميم الغربية.

تفوق أمريكي

تظل الولايات المتحدة أكبر مستثمر عالمي في هذا المجال، إذ تمثل نحو 45% من الإنفاق العالمي بين 2021 و2023، مع ميزانية بلغت نحو 5 مليارات دولار في 2024.

لكن التفوق المالي لا يعني تفوقًا مطلقًا، فقد أقر الكولونيل لاري فينر، قائد وحدة 350 للحرب الطيفية، بأن الخصوم طوروا قدراتهم لمواجهة نقاط القوة الأمريكية التقليدية.

أما فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، فيؤكد مسؤولون أمريكيون أن الأنظمة الحالية لا تزال غير قادرة على تحليل الإشارات المعقدة وتوليد إجراءات مضادة بشكل لحظي دون تدخل بشري مكثف، رغم أن ذلك يظل هدفًا استراتيجيًا مستقبليًا.

تنطلق رؤية cortAIx من فكرة أن أنظمة الحرب الإلكترونية التقليدية تعتمد على مكتبات من البصمات الإشارية، حيث يتم التعرف على التهديد عبر مطابقة الإشارة مع قاعدة بيانات معروفة. لكن في بيئة تتغير فيها الترددات وأنماط الإرسال باستمرار، تصبح هذه المقاربة محدودة.

رؤية فرنسية

لذلك تقترح “تاليس” مفهوم “الحرب الإلكترونية الإدراكية”، القائم على التعلم أثناء المهمة واكتشاف الإشارات غير المعروفة بدل إجبارها على تصنيفات جاهزة، وتصف هذا النهج بـ”كشف الجديد”، حيث تصبح القدرة على عدم التعرف على الإشارة بحد ذاتها معلومة مهمة.

لا يكمن التحدي الأساسي في الخوارزميات وحدها، بل في بيئة التشغيل نفسها، إذ لا يمكن نقل بيانات الحرب الإلكترونية إلى خوادم بعيدة بسبب متطلبات الزمن الحقيقي، كما أن الأنظمة الميدانية تعمل في ظروف قاسية وموارد محدودة.

لذلك يجب تصميم النماذج من البداية لتناسب البيئة العسكرية، وليس نقلها من بيئات مدنية، وتؤكد “تاليس” أن النماذج المتخصصة في المجال العسكري أكثر كفاءة من النماذج العامة.

وعلى عكس روسيا التي تتجه نحو الأتمتة الكاملة، تؤكد “تاليس” أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يبقى أداة مساعدة لا بديلًا عن المشغل البشري، إذ إن أنظمة مثل Com وKIA لا تتخذ القرار النهائي، بل تساعد على تقليل العبء الذهني وتحسين التركيز، بهدف الحفاظ على فعالية العنصر البشري خلال العمليات الطويلة والمعقدة.

وتعترف “تاليس” بوضوح أن الذكاء الاصطناعي لا يحل كل المشكلات، فنجاحه يعتمد على جودة البيانات، وتوافق الأنظمة، وتدريب المشغلين.

كما يشير تقرير برلماني فرنسي إلى نقص واضح في قدرات الحرب الإلكترونية لدى الجيش الفرنسي مقارنة بخصومه، ما يعكس فجوة هيكلية لا يمكن للذكاء الاصطناعي وحده سدها.

وفي النهاية، تؤكد المجلة أن الفجوة بين الإمكانات التقنية والواقع العملياتي لا تُحسم بالتكنولوجيا وحدها، بل بالقرارات الاستراتيجية والعقائد العسكرية التي تحدد كيفية استخدامها.

aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA= جزيرة ام اند امز NL

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى