أمريكا وغرينلاند.. إصرار ترامب ينكأ جروحا مستمرة منذ قرن
في مشهد يبدو أقرب إلى استعارة بصرية للتاريخ غير المكتمل، تتناثر مئات براميل الوقود الصدئة على امتداد مضيق ناءٍ في الساحل الشرقي لغرينلاند، أطلق عليها السكان المحليون اسم “الزهور الأمريكية”.
وبالقرب منها، ترقد بقايا حظائر طائرات ومركبات عسكرية مهجورة، شاهدة على حقبة لم تنتهِ آثارها رغم مرور عقود.
هذه المخلفات، بحسب صحيفة “وول ستريت جورنال”، ليست مجرد بقايا حرب، بل تمثل فصلاً من تاريخ طويل من الطموحات الأمريكية تجاه أكبر جزيرة في العالم.
ذلك التاريخ الذي يعيد الرئيس دونالد ترامب إحياءه اليوم بإصرار غير مسبوق، في خطوة تضع العلاقات عبر الأطلسي أمام اختبار حقيقي.
إرث ثقيل من المطامع التاريخية
لم تولد الرغبة الأمريكية في السيطرة على غرينلاند مع إدارة ترامب، بل تمتد جذورها إلى ما يزيد عن قرن ونصف من الزمان. ففي عام 1867، أي في العام نفسه الذي اشترت فيه الولايات المتحدة ألاسكا من روسيا، دعت إدارة الرئيس أندرو جونسون إلى شراء غرينلاند.
وتكرر العرض عام 1910 خلال إدارة الرئيس ويليام هوارد تافت. وبعد الحرب العالمية الثانية، وفي خطوة ظلت طي الكتمان لعقود، عرض وزير الخارجية الأمريكي جيمس بيرنز على الدنمارك مبلغ 100 مليون دولار لشراء الجزيرة، وهو ما يعادل نحو 1.6 مليار دولار بقيمة اليوم.
ولم تعترف الولايات المتحدة رسمياً بالسيادة الدنماركية على غرينلاند إلا في عام 1916، وذلك كشرط مقابل لإتمام صفقة شراء جزر الهند الغربية الدنماركية التي أصبحت تعرف لاحقاً باسم جزر العذراء الأمريكية.
ورغم أن هذه المحاولات لم تكلل بالنجاح، فإنها تعكس إدراكاً أمريكياً مبكراً للأهمية الاستراتيجية الفريدة للجزيرة، وهو الإدراك الذي يبدو أن ترامب يسعى اليوم لتحويله إلى واقع سياسي، لكن بأساليب أكثر صدامية.
في الأسابيع الأخيرة، أعاد ترامب طرح الملف بنبرة مباشرة وغير مسبوقة، معلناً بوضوح رغبة بلاده في الحصول على غرينلاند، حتى في ظل رفض الدنمارك وحكومة الحكم الذاتي في نوك.
هذا التصعيد اللفظي ترافق مع محادثات مغلقة بين الأطراف الثلاثة، لكنه أثار في الوقت ذاته قلقاً متزايداً في العواصم الأوروبية، التي بدأت تتعامل مع الطرح الأمريكي باعتباره احتمالاً استراتيجياً لا يمكن تجاهله.

وقد بلغت هذه المخاوف ذروتها عندما كشفت تقارير عن استعدادات دنماركية غير تقليدية، شملت نقل متفجرات إلى الجزيرة كإجراء احترازي لتدمير مدارج الطائرات في حال وقوع سيناريو عسكري، إلى جانب تجهيزات طبية تحسباً لخسائر محتملة.
وفي خطوة رمزية، أرسلت فرنسا قوة محدودة من جنود النخبة إلى غرينلاند، في إشارة واضحة إلى تضامن أوروبي مع السيادة الدنماركية، ورسالة مفادها أن الجزيرة ليست ورقة تفاوض مفتوحة.
في موازاة ذلك، تدور مفاوضات معقدة حول توسيع الوجود العسكري الأمريكي في الجزيرة، حيث تسعى واشنطن إلى تعزيز تمركزها في مواقع استراتيجية تتيح لها الوصول إلى القطب الشمالي وتعزيز قدرات مراقبة الفضاء وتعقب الغواصات.
وتشمل هذه المواقع مناطق مثل كانغيرلوسواك ونارسارسواك، إضافة إلى منطقة بيتوفيك التي تضم بالفعل قاعدة فضائية أمريكية.
غير أن جوهر الخلاف لا يكمن في الوجود العسكري بحد ذاته، بل في طبيعة السيادة التي تحكمه، إذ ترفض كوبنهاغن بشكل قاطع أي نموذج يمنح الولايات المتحدة سيطرة مطلقة على هذه القواعد.
هذا التوتر يعيد إلى الواجهة إرثاً تاريخياً معقداً، إذ سبق للولايات المتحدة أن أنشأت شبكة واسعة من القواعد العسكرية في غرينلاند خلال الحرب العالمية الثانية، دون موافقة رسمية من الحكومة الدنماركية، وبمبادرة من دبلوماسي دنماركي تصرف بشكل منفرد.
وقد تحولت الجزيرة آنذاك إلى نقطة ارتكاز استراتيجية لمواجهة التهديدات النازية، ثم لاحقاً السوفياتية خلال الحرب الباردة، حيث انتشر آلاف الجنود الأمريكيين في قواعد متعددة، أبرزها قاعدة ثول التي لا تزال قائمة حتى اليوم.

لكن هذا الوجود ترك وراءه إرثاً بيئياً ثقيلاً، لا تزال آثاره قائمة حتى الآن، من تلوث كيميائي إلى مخلفات صناعية خطرة. ورغم أن الاتفاقيات تلزم واشنطن بتنظيف هذه المواقع، فإن العبء الأكبر وقع على عاتق الدنمارك، التي أنفقت ملايين الدولارات لمعالجة بعض الأضرار، بينما لا تزال مواقع أخرى تنتظر المعالجة.
في المقابل، لا يخلو هذا التاريخ من تأثيرات إيجابية على المستوى المحلي، إذ ساهم الوجود الأمريكي في كسر العزلة الاقتصادية التي كانت تعيشها بعض مناطق غرينلاند، وفتح المجال أمام أنماط جديدة من التجارة والتنمية.
ولا يزال بعض السكان ينظرون إلى عودة هذا الوجود كفرصة اقتصادية، وإن كانت مشروطة بمعالجة الإرث البيئي السابق.
أما على المستوى الاستراتيجي، فإن اهتمام الرئيس ترامب بغرينلاند يرتبط بمشاريع دفاعية أوسع، أبرزها نظام “القبة الذهبية” للدفاع الصاروخي، الذي يعتمد على تعزيز المراقبة في المناطق القطبية لمواجهة التهديدات الحديثة، خاصة الصواريخ الفرط صوتية.

وفي هذا السياق، تمثل غرينلاند نقطة محورية في شبكة المراقبة والإنذار المبكر، نظراً لموقعها الجغرافي الفريد بين أمريكا الشمالية وأوروبا.
ورغم كل هذه الاعتبارات، يبقى العامل الحاسم هو موقف سكان غرينلاند أنفسهم، الذين يتمسكون بحقهم في تقرير المصير ويرفضون أي ترتيبات لا تحترم سيادتهم.
وقد عبّر مسؤولون محليون عن شعور متزايد بالقلق من الطرح الأمريكي، معتبرين أنه يقوض الثقة مع شريك طالما اعتُبر حليفاً استراتيجياً.
aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA=
جزيرة ام اند امز



