«ليست أزمة عابرة».. النظام النفطي العالمي الجديد قادم لا محالة
اعتبر محللون أن صدمة الطاقة الأخيرة قد أحدثت تحولا كبيرا في النظام العالمي للطاقة وليست مجرد أزمة عابرة في أسعار النفط.
فالنفط أصبح مرة أخرى “سلاحًا جيوسياسيًا”، فيما قد تعيد هذه الحرب تشكيل موازين القوة الاقتصادية عالميًا.
وأوضح تحليل نشره موقع “أكسيوس” الأمريكي أن العالم يواجه مرحلة جديدة قد تتسم بارتفاع دائم في أسعار الطاقة، وتزايد التنافس على الموارد، إلى جانب احتمالات إعادة تشكيل التحالفات الاقتصادية والسياسية.
وبينما لا يزال من المبكر تحديد الشكل النهائي لهذه التحولات، فإن المؤكد أن سوق النفط العالمي لن يعود كما كان قبل هذه الأزمة، وأن تداعياتها ستستمر لسنوات قادمة.
تحولات هيكلية عميقة
وأوضح التحليل إن أسواق الطاقة العالمية تتجه بالفعل نحو تحولات هيكلية عميقة، في ظل التداعيات المتسارعة للحرب بين إيران والولايات المتحدة، والتي تسببت في واحدة من أعنف صدمات الإمدادات النفطية منذ عقود.
ونقل “أكيوس” عن محللين أن هذه الأزمة قد لا تكون مجرد اضطراب مؤقت، بل نقطة تحول تعيد تشكيل طريقة عمل سوق النفط العالمي الذي تقدر قيمته بتريليونات الدولارات.
وتكمن خطورة الوضع في استمرار إغلاق مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم، والذي تمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية. وقد أدى هذا التعطيل إلى ارتفاع أسعار النفط بنحو 50% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، فيما سجلت أسعار السوق الفورية مستويات قياسية مع احتدام المنافسة بين الدول والشركات للحصول على الإمدادات المحدودة.
“سلاح جيوسياسي”
ويحذر المحللون من أن هذه التطورات قد تدفع نحو “تسليح” سوق النفط، أي استخدامه كأداة ضغط جيوسياسي، وهو ما قد يؤدي إلى تفكك النظام العالمي للطاقة الذي كان يعتمد لعقود على التدفقات الحرة والتعاون الدولي.
وفي هذا السياق، وصف الخبير في شؤون الطاقة دان ييرغين الوضع الحالي بأنه “أم جميع اضطرابات سلاسل الإمداد”، في إشارة إلى حجم التأثير المحتمل على الاقتصاد العالمي.
وتشير التجارب التاريخية إلى أن مثل هذه الصدمات غالبًا ما تترك آثارًا طويلة الأمد. فخلال جائحة كورونا، دفعت الاضطرابات الدول إلى إعادة توطين الصناعات، بينما أدت الحرب في أوكرانيا إلى تقليل اعتماد أوروبا على الغاز الروسي. أما أزمة النفط في سبعينيات القرن الماضي، فقد غيرت سلوك الاستهلاك في أمريكا، حيث اتجه المستهلكون إلى السيارات الصغيرة الأكثر كفاءة في استهلاك الوقود.
وفي هذا السياق، أشار التحليل إلى تأميم قناة السويس في مصر، التي شكلت لحظة فارقة في تراجع النفوذ البريطاني عالميًا، متسائلا عما إذا كانت الأزمة الحالية قد تحمل دلالات مشابهة على مستوى توازن القوى الدولية. إذ يرى مراقبون أن استمرار استخدام الطاقة كسلاح قد يهدد استقرار النظام الاقتصادي العالمي القائم على الدولار، ويضعف النفوذ الأمريكي على المدى الطويل.
ورغم أن مآلات الصراع لا تزال غير واضحة، فإن المؤشرات الحالية تعكس تحولات عميقة في سلوك الدول. فبدلاً من الاعتماد على التعاون الدولي، بدأت بعض الدول تتجه نحو تأمين إمداداتها بشكل منفرد، ما قد يؤدي إلى مزيد من التنافس والصراع على الموارد. ويخالف هذا التوجه الدروس المستفادة من أزمة عام 1973، عندما أدى حظر النفط من قبل الدول العربية إلى ارتفاع الأسعار بشكل حاد، لكنه دفع في النهاية إلى تعزيز التعاون الدولي في مجال الطاقة.
واقع مختلف
غير أن الواقع الحالي يبدو مختلفًا، حيث يشير خبراء إلى أن العالم يشهد حالة من الانقسام والتوتر المتزايد، ما قد يدفع الدول إلى تبني سياسات أكثر انعزالًا. ومن ثم، فإن تداعيات هذه الأزمة تتجاوز حدود قطاع الطاقة، لتشمل الاقتصاد العالمي بأكمله، حيث يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة معدلات التضخم، وارتفاع تكاليف النقل والإنتاج، ما ينعكس سلبًا على النمو الاقتصادي. كما أن استمرار حالة عدم اليقين قد يدفع المستثمرين إلى تقليل المخاطر، وهو ما يؤثر على تدفقات رؤوس الأموال نحو الأسواق الناشئة.
ويعتبر التحليل أن العالم قد يدخل مرحلة جديدة من “فوضى الطاقة”، حيث تصبح الأسواق أكثر تقلبًا، وتزداد المنافسة بين القوى الكبرى على تأمين الموارد. وبذلك، فإن حرب إيران ليست مجرد صراع إقليمي، بل لحظة مفصلية قد تعيد تشكيل النظام الاقتصادي العالمي لسنوات قادمة.
aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA=
جزيرة ام اند امز



