خبير يكشف سر تمسك فرنسا بالضرائب الباهظة رغم تباطؤ النمو
أكد الخبير الاقتصادي الفرنسي، زافييه راجوت، أن استمرار ارتفاع الضرائب الإنتاجية في فرنسا لا يمكن فهمه بمعزل عن طبيعة النموذج الاقتصادي والاجتماعي الفرنسي، الذي يعتمد منذ عقود على دور قوي للدولة في تمويل الخدمات العامة والحماية الاجتماعية.
ووفقا للبيانات الصادرة عن المعهد بالتعاون مع “فورفيز مازارز”، بلغت هذه الضرائب 3.6% من الناتج المحلي الإجمالي الفرنسي في عام 2024، وأوضح التقرير أن فرنسا تحل في المرتبة الثانية في أوروبا من حيث أعلى الضرائب الإنتاجية بعد السويد.
وأوضح راجوت في حوار مع “العين الإخبارية” أن هذا الخيار جعل من الضرائب المفروضة على عوامل الإنتاج أداة أساسية لضمان موارد مالية مستقرة، حتى في الفترات التي تتراجع فيها أرباح الشركات أو يتباطأ النمو الاقتصادي.
وأضاف رئيس المرصد الفرنسي للظروف الاقتصادية، وأستاذ الاقتصاد في معهد العلوم السياسية، خلال الحوار، أن هذه الضرائب، التي تُفرض على عناصر مثل الأجور والعقارات الصناعية والقيمة المضافة الإنتاجية، تتميز بكونها “غير مرنة”، أي أنها لا تتكيف مع أداء الشركات، وهو ما يخلق عبئا ثابتا على المؤسسات بغض النظر عن وضعها المالي، على عكس الضرائب على الأرباح التي ترتبط مباشرة بالنتائج الاقتصادية.
ثقل ضريبي
وأشار راجوت إلى أن هذا الأمر يفسر جزئيا شعور الشركات في فرنسا بثقل ضريبي أكبر مقارنة بنظيراتها في دول مثل ألمانيا وهولندا، حيث يتم الاعتماد بدرجة أكبر على ضرائب مرتبطة بالأرباح أو الاستهلاك.
وأوضح أن الإشكالية لا تكمن فقط في مستوى هذه الضرائب، بل في تراكمها مع أعباء أخرى، مثل الاشتراكات الاجتماعية المرتفعة وتكاليف العمل، ما يؤدي إلى ما يمكن وصفه بـ”العبء المركب” على الإنتاج، وهو ما ينعكس سلبا على القدرة التنافسية، خاصة في القطاعات الصناعية التي تعتمد على تكاليف إنتاج منخفضة للبقاء في المنافسة الدولية، لافتا إلى أن هذا الوضع قد يدفع بعض الشركات إلى نقل جزء من أنشطتها إلى دول أوروبية أخرى ذات بيئة ضريبية أخف.
إصلاحات محدودة
كما أشار إلى أن الإصلاحات التي تم تنفيذها خلال السنوات الأخيرة، رغم أهميتها السياسية والاقتصادية، ظلت محدودة التأثير، لأنها ركزت على تخفيضات جزئية دون معالجة الجذور الهيكلية للمشكلة، موضحا أن أي إصلاح حقيقي يجب أن يتضمن إعادة توزيع العبء الضريبي بشكل أوسع، عبر تقليل الاعتماد على الضرائب الإنتاجية وتعويض ذلك بموارد أخرى مثل الضرائب البيئية أو الضرائب على الاستهلاك أو حتى إعادة النظر في بعض أشكال الإنفاق العام.
وشدد على أن الشركات الصغيرة والمتوسطة هي الأكثر تضررا من هذا الوضع، لأنها لا تمتلك نفس القدرة التي تتمتع بها الشركات الكبرى على التكيف أو الاستفادة من الإعفاءات والحوافز الضريبية، ما يحد من قدرتها على الاستثمار والتوسع وخلق فرص العمل، وهو ما قد يؤثر في النهاية على ديناميكية الاقتصاد ككل.
وأوضح أن فرنسا تبدو في موقع غير مريح، حيث تحاول التوفيق بين الحفاظ على نموذجها الاجتماعي الطموح وبين ضرورة تحسين جاذبيتها الاقتصادية، مشيرا إلى أن دولا مثل السويد، رغم ارتفاع بعض أنواع الضرائب لديها، نجحت في تحقيق توازن أفضل بفضل وضوح نظامها الضريبي واعتماده على منطق متماسك في تمويل الحماية الاجتماعية.
وأكد راجوت أن التحدي الحقيقي أمام صانعي القرار في فرنسا لا يتمثل فقط في خفض الضرائب، بل في إعادة تصميم النظام الضريبي بشكل يجعله أكثر عدالة وكفاءة، بحيث يدعم الإنتاج والاستثمار دون الإضرار بقدرة الدولة على تمويل خدماتها الأساسية، معتبرا أن نجاح هذا التوازن سيكون عاملا حاسما في تحديد موقع فرنسا ضمن المنافسة الاقتصادية الأوروبية خلال السنوات القادمة.
وعلى الرغم من الجهود الأخيرة لتقليل العبء الضريبي على الشركات، تبقى الضرائب الإنتاجية في فرنسا من بين الأعلى في أوروبا، وهو ما يشير إليه التقرير الأخير للمعهد الفرنسي “مونتاني” في نسخته الخامسة من مقياس الضرائب الإنتاجية، وهذه الموازنة الضريبية الثقيلة تؤثر بشكل مباشر على قدرة الشركات الفرنسية على المنافسة في السوق الأوروبية والعالمية.
aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA= جزيرة ام اند امز



