أبريل.. رزنامة مستقبل أمن الخليج والشرق الأوسط
يبدو أن شهر أبريل/نيسان لن يمر كغيره في سجل السياسة الدولية وأمن الخليج واستقرار الشرق الأوسط.
ويُرجّح أن يتحول شهر أبريل/نيسان إلى محطة مفصلية بين الحرب والسلم، وبين الدولة القومية والمليشيات، وانتزاع مضيق هرمز من أيدي النظام الإيراني كورقة ابتزاز دولية جيوسياسية؛ إلى جانب إخراج العراق ولبنان واليمن الشمالي من نفوذ ملالي إيران، حيث تشير التحليلات إلى أن الحرب وصلت إلى مرحلة الذروة العسكرية عبر استهداف المحاور الكبرى داخل إيران والنظام الثيوقراطي، لذا شهر أبريل يتوقع فيه بداية مسار تفاوضي بقبول الشروط الأمريكية أو تصاعد أخير عبر ضربة حاسمة، ودخول قوات برية أمريكية إلى أراضي إيرانية محدودة، بمعنى لم تعد المواجهات العسكرية مفتوحة بلا نهاية بل تقترب من لحظة فارقة حاسمة.
تتكشف الأمور خلف باب الوساطة الباكستانية، فقد قدّمت إدارة دونالد ترامب عرضًا من 15 نقطة لطهران، يتضمن – وفق تسريبات – تفكيك برنامجها النووي بشكل كامل، إلى جانب فرض قيود صارمة على برنامج الصواريخ، وإنهاء دعمها لوكلائها في المنطقة خاصةً في لبنان والعراق وشمال اليمن.
الرسالة الأمريكية هنا ليست تفاوضًا تقليديًا، بل عرض بشروط المنتصر، ويتأكد ذلك عبر التصريحات الصادرة من البيت الأبيض وزيادة البنتاغون من خيارات الحرب، فهناك تلويح بضربات “غير مسبوقة” في حال رفضت طهران، مع مؤشرات على تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط.
كما تسعى واشنطن إلى تثبيت معادلة واضحة: ضمان تدفق الطاقة ومنع تحويل مضيق هرمز إلى أداة ابتزاز جيوسياسية دولية. وتدرك واشنطن أن فرض سيطرة كاملة على المضيق ليس خيارًا بسيطًا، بل خطوة محفوفة بتعقيدات سياسية وعسكرية وجغرافية.
ومع حقيقة أن الكثير من الدول والشعوب والشركات والمراقبين أصبحوا يأملون أن تنتهي الحرب سريعاً، بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة المرتبطة بارتفاع أسعار النفط والغاز، ناهيك عن أن تكلفة تخزين النفط والغاز، بالإضافة إلى توقف الإنتاج واستئنافه، تعتبر مرتفعة؛ لذا ليس من المستبعد بأن سيكون أحد أهم مخرجات الحرب والانتصار الأمريكي السيطرة الجغرافية والأمنية على مضيق هرمز، للإخراج هذا المضيق من التهديدات المستقبلية ومراقبة مستقبل سلوك إيران، واستمرار واشنطن في تأمين مرور الطاقة كأحد أهم أهدافها ووظائفها في السياسة الدولية.
وعلى الجانب الآخر، يتعامل النظام الإيراني رغم تزايد عزلته وتآكل قدراته، مع هذه الضغوط والشروط الأمريكية بوصفه نظام ديني مذهبي “ثيوقراطي” يتجه نحو أن يصبح جماعة مسلحة في دولة مدمرة تفتقر لأساسيات التنمية والطاقة والاستقرار والأمن، فواشنطن وتل أبيب تصطادان قادة النظام في الصفوف الأولى، وتدمر جميع قدراته العسكرية.
ويعتقد هذا النظام بأن لديه لعبة في مسار المفاوضات، حيث يطالب بالحصول على تعويضات، بل ويذهب النظام الإيراني الذي يزداد عزلة بمحاولة التفاوض من موقع قوة عبر مطالب بإقرار حقه في فرض رسوم على المرور في مضيق هرمز؛ حيث تُستخدم كأداة ضغط لرفع سقف التفاوض ثم التراجع لاحقًا ليبدو تنازلًا، والهدف الحفاظ على البرنامج النووي والصواريخ والنفوذ الإقليمي، إلى جانب ذلك، يلوّح النظام إلى توسيع التصعيد نحو البحر الأحمر ومضيق باب المندب، في محاولة لرفع كلفة الضغط عليها، وقد بدا واضحًا في دخول الحوثي كطرف في الحرب.
أما إسرائيل فتقف في موقع لا يقل تشددًا، إذ تشكك في قبول إيران بالشروط، وفي الوقت ذاته تخشى من أي تنازلات أمريكية. لذلك تصر على الاحتفاظ بحق تنفيذ ضربات استباقية، وتؤكد أن الأهداف داخل إيران لم يُستنفد بعد، كما توغل تل أبيب في تحطيم حزب الله في لبنان، ناهيك عن أهمية تدمير مليشيات نظام إيران في العراق، والحوثي في اليمن الشمالي.
وسط هذا المشهد الضخم في الحرب، تتضح معادلة أساسية، واشنطن لا تسعى -على الأقل في خطابها السياسي – إلى تدمير طهران وتحويلها إلى مدينة مظلمة مدمرة، بل إلى فرض تغيير استراتيجي في سلوكها عبر تغيير نظامها الثيوقراطي، وهو مطلب لمختلف هويات الشعب الإيراني، كما في إيران الكثير من القوميين والليبراليين والاشتراكيين يتوقون إلى التحول من العمامة في حكم البلاد إلى العلمانية بهدف المحافظة على الوحدة الجغرافية لإيران وهويات شعبها، وتحقيق التنمية والعدالة، وهذا الأمر لن يتحقق إلا عبر الإقرار بالهزيمة والقبول بشروط تعيد تشكيل هوية النظام السياسي الحاكم ودوره الإقليمي والدولي.
أبريل/نيسان ليس مجرد شهر في تقويم 2026، فقد أعلن ترامب تأجيل ضرب منشآت الطاقة في إيران حتى 6 أبريل/نيسان كجزء من محاولة لإعطاء الوقت للمحادثات وتحقيق تسوية جزئية، وهذه الفترة تعتبر اختبارا حقيقيًا لقدرة القيادة الإيرانية على الاختيار بين الاستمرار في سياسة حافة الهاوية أو الحفاظ على الدولة وتجنيب المنطقة فوضى مكلفة، حيث يتحول النظام الثيوقراطي الإيراني إلى مليشيات، والهويات للشعب الإيراني إلى مراكز قوة وتحكم. وفي هذه الحالة من الفوضى وتعدد مراكز القوة والحكم، سيتشكل تحالف إقليمي ودولي لضبط استقرار منطقة الشرق الأوسط والخليج والتعاطي مع الوضع الإيراني، وقطعًا، التحالف في هذا السيناريو، سيكون معظم أعضائه من الدول المجاورة لإيران جغرافيًا.
فالرد الإيراني حتى السادس من أبريل/نيسان سيحدد مسار الشرق الأوسط لعقود مقبلة: هل ستقبل طهران بالهزيمة وتعيد تشكيل هوية نظامها السياسي ودورها الإقليمي والدولي وفق معايير الدولة القومية المسؤولة مع احترام المبادئ الدولية في سيادة الدول، أم ستصر على الانحدار نحو الانهيار؟ ما هو على المحك ليس مجرد مصالح سياسية أو اقتصادية، بل مستقبل أمن الخليج والشرق الأوسط واستقرار مضيق هرمز وتدفق ومرور الطاقة والسلع.
ومن الواضح أن واشنطن تستعد لانتزاع ورقة مضيق هرمز كرمز لنصرها، وتأمين تدفق الطاقة للعالم دون أي تهديد في المستقبل، كأحد أهم أدوار واشنطن في السياسة الدولية.
aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA= جزيرة ام اند امز



