حصانة عمالقة التكنولوجيا.. عصر انتهى
اعتبر محللون أن الأيام الحالية شكلت أسبوعاً فارقاً في العلاقة بين المجتمع والقضاء من جهة، وعمالقة التكنولوجيا من جهة أخرى؛ حيث تم توجيه ضربات قانونية غير مسبوقة لشركة ميتا بمنصاتها وشركة ألفابت المالكة لمنصة يوتيوب.
ووفقاً لتحليل نشرته صحيفة “الغارديان” البريطانية صدرت سلسلة من الأحكام الأمريكية التي قيدت عملياً ما اعُتبر لعقود “حصانة” لهذه الشركات من المساءلة القانونية عن تأثير منصاتها على الجمهور، خصوصًا الشباب.
وأوضح التقرير أن أحد أبرز هذه الأحكام جاء من محكمة في لوس أنجلوس، حيث وجدت هيئة المحلفين أن ميتا ويوتيوب مسؤولتان قانونيًا عن تصميم منصاتهما بطريقة تسببت بإدمان المستخدمين، وهو ما أثر سلباً على الصحة العقلية لمراهقة تدعى “كالي” استخدمت انستغرام ويوتيوب بسن مبكرة جدًا. وقد قررت هيئة المحلفين أن تصميم المنصات نفسه -وليس مجرد المحتوى الذي يتم نشره عليها- كان السبب في الضرر، وهو سابقة قانونية هامة يمكن أن تفتح الباب آلاف الدعاوى المماثلة في المستقبل.
وفي الأسبوع نفسه تقريبًا، أصدرت محكمة أخرى في نيو مكسيكو حكمًا ضد ميتا، مُلزِمة الشركة بدفع 375 مليون دولار كتعويضات بعد أن وجدت أنها ضللت المستخدمين بشأن سلامة منصاتها وساهمت في تسهيل إساءة استخدام الأطفال عبر منصات مثل انستغرام وفيسبوك.
وهذه القضايا -التي اعتبرتها منظمات حقوق الطفل ومنتقدوا صناعة التكنولوجيا بمثابة لحظة “Big Tobacco” (معركة مكافحة التبغ)- تمثل دليلًا متزايدًا على أن الجمهور والمحاكم لم يعدا مستعدين لقبول التفسيرات التقليدية لصناعة التقنية بأنها مجرد وسيط محايد للمحتوى أو أن أضرارها خارجة عن سيطرتها.
التصميم المشوه
وأثارت هذه الأحكام نقاشًا أوسع حول ما إذا كان عصر حصانة عمالقة التكنولوجيا قد انتهى، إذ طالبت منظمات ومعنيون بسياسات التكنولوجيا في دول مختلفة بإجراء تغييرات تنظيمية واسعة.
ففي العديد من البلدان -بما في ذلك بريطانيا وأستراليا والبرازيل- بدأت قوانين جديدة أو مراجعات تشريعية تأخذ في اعتبارها حماية الشباب وحدود استخدام المنصات الرقمية، بينما تُدرس اقتراحات لحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن 16 عامًا. وكانت كل من Meta وGoogle قد أعلنتا نيتهما استئناف الأحكام، مؤكدين أن منصاتهما توفر خدمات مفيدة للمستخدمين وأن التحديات القانونية قد تكون مبسّطة بشكل مفرط.
لكن حتى في عالم الشركات التقنية، يُنظر إلى هذه الحالات على أنها بداية لتغيير كبير في كيفية تعامل القضاء والتنظيم مع شركات التكنولوجيا الكبرى -وهو ما يمكن أن يؤثر على كيفية تصميم المنتجات في المستقبل وعلى مسؤولية الشركات تجاه المجتمع.
وتكمن أهمية هذه التطورات في أنها لا تقتصر فقط على التبليغ عن الأضرار الفردية، بل تتعلق بإعادة تعريف علاقة الجمهور مع التكنولوجيا: من اعتبار المنصات مجرد أدوات يستخدمها الناس بحرية، إلى نظرة ترى أن الشركات نفسها تتحمل مسؤولية أكبر في كيفية تصميم وترويج منتجاتها، خصوصًا عندما تكون النتائج على الصحة العامة واضحة ومتكررة.
واعتبر تحليل الصحيفة البريطانية أن الحكمين معًا لم يقتصرا على المسؤولية التقليدية المتعلقة بالمحتوى الفردي، بل اتجها نحو ما قد يُسمّى “عيب التصميم”، وهو الاعتراف بأن المنصات نفسها -بآلياتها، وخوارزمياتها، وميزات مثل التمرير اللانهائي ومقاطع الفيديو التي تعمل تلقائيًا- تؤثر سلبًا على السلوك البشري، خصوصًا على الأطفال والمراهقين. وقد أظهرتها الأدلة الداخلية، بما في ذلك وثائق كشفت أن بعض موظفي Meta كانوا على علم بأن المنصات قد تستغل نقاط ضعف المستخدمين الشباب لتحقيق مشاركة أعلى في سبيل الإعلانات، وهو ما أثار غضب النقاد والحكومات حول العالم.
aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA= جزيرة ام اند امز



