برؤية وقيادة محمد بن زايد ستظل القوات المسلحة الحصن المنيع لوطن نهجه السلام وغايته الريادة ‹ جريدة الوطن
وجّه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، كلمة بمناسبة الذكرى الـ50 لتوحيد القوات المسلحة، أشاد فيها بأدوارها الوطنية المشرّفة، وعطاء وتضحيات أبطالها على مدار خمسة عقود من العطاء، رفعوا فيها اسم دولة الإمارات عالياً، وشكلوا الحصن المنيع الذي صان على الوطن شموخه، وحفظوا عليه كرامته وكبرياءه.
وفيما يلي نص الكلمة:
” نجتمع اليوم لنحتفي باليوبيل الذهبي لصدور قرار توحيد قوات الإمارات المسلحة.
وأكثر من أي وقت مضى، تتجلى اليوم أهمية هذا القرار الذي انطلقت معه مسيرة بناء درع الوطن وسيفه البتّار ومظلة أمنه واستقراره. وإذ حظيتُ بشرف مواكبة هذه المسيرة منذ بداياتها، يمر في خاطري شريط من ذكريات الإعداد لإصدار القرار، والفرحة العارمة بصدوره، ومتابعة تنفيذه، والمشاركة في مسيرة بناء قواتنا المسلحة على مدى السنوات الخمسين الماضية.
كانت الرؤية واضحة والأهداف محددة
بعد صدور القرار في السادس من مايو 1976، أتذكر تفاصيل أول اجتماع للمجلس الأعلى للدفاع برئاسة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وحضور الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، والشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، والشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم، طيّب الله ثراهم جميعاً، وكنت وقتها وزيراً للدفاع.
قال لنا الشيخ زايد: “سنبني جيشاً عصرياً عماده أبناء الإمارات لنضمن قدرة الدفاع عن وطننا ومواجهة التهديدات أياً كان مصدرها. وقال: سنزود جيشنا بأفضل أنواع الأسلحة وننوع مصادر التسليح ونبني صناعات عسكرية تواكب احتياجات جيشنا”.
وعلى هدى هذه الرؤية وضعنا خططاً، وأطلقنا ورشات عمل سارت فيها برامج تكوين كوادرنا العسكرية الإماراتية جنباً إلى جنب مع برامج التسليح والصناعات الدفاعية.
توحدت الإرادات لتضع اللبنات الأولى في صرح اتحاد اختار من بداياته الأولى، بل ومنذ أن كان في إطار الفكرة، أن يكون عصياً على التحديات، منيعاً في وجه الصعوبات. فمنذ ميلاد دولة الإمارات، لم تتوقف ملحمة عمل دؤوب لإرساء وترسيخ الأسس التي تضمن لهذه الدولة الفتيّة أعلى مراتب العزة والشموخ. وجاء قرار توحيد القوات المسلحة كأحد الفصول الرئيسية لهذه الملحمة المشرّفة لوطنٍ اختار أن يؤمِّن مستقبله بوحدة قراره وصلابة بنيانه.
فقد جاء هذا القرار التاريخي نتيجةً لرؤيةٍ إستراتيجيةٍ بعيدة المدى استشرفت متطلبات بناء الدولة الحديثة، فجمعت تحت رايةٍ واحدة الطاقاتٍ، وحشدت كل الإمكانات، لبناء قوات مسلحة اجتمعت لها من مقومات القوة ما جعلها صاحبة دور مشهود في ترسيخ دعائم الاتحاد وصون مسيرته خلال خمسة عقود، مضت فيها الإمارات بكل ثقة وثبات في مختلف مضامير التنمية لتضمن لشعبها الرفعة والرقي في بيئة تكفل لهم، ولكل من يقصدها حاملاً طموحه وأمله في مستقبل أفضل، ميزة الأمان والاستقرار.
وكان تشكيل ملامح المؤسسة العسكرية الوطنية وفق ثوابت وقيم أساسية من الانضباط والكفاءة والولاء. ومع تعاقب السنوات، لم تتوقف هذه المسيرة عند حدود، بل مضت بخطى متسارعة نحو التطوير والتحديث، حتى أضحت قواتنا المسلحة نموذجاً متقدماً في مستوى الجاهزية والإلمام بأحدث ما وصل إليه العالم في مجال الدفاع، لتواصل تأكيد مكانتها رمز فخرٍ واعتزاز لكل إماراتي وإماراتية، ومصدر إلهام في مضمار التفاني والعطاء للوصول بالوطن إلى أعلى مراتب الرفعة والازدهار.
وعلى مدار 50 عاماً، تواصلت فصول هذه الملحمة الوطنية برؤيةٍ طموحة قاد معها أخي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، مسيرة تطوير شاملة طالت كافة أفرع وقطاعات القوات المسلحة، انطلاقاً من إيمان راسخ بأن امتلاك القوة القادرة على الردع، هو أولوية إستراتيجية لا يجب التهاون في تحقيقها… وهو ما قد تحقق بالاستثمار في العنصر البشري، وتعزيز قدراته العلمية والعملية، ومنحه العلوم والمعارف الذي تجعل منه ركيزة محورية لأمن الوطن والمواطن، كذلك الاستثمار في امتلاك زمام التفوق الميداني باقتناء أحدث التجهيزات وإتقان توظيف أفضل التقنيات، بما يمنح قواتنا المسلحة اليد العليا في مواجهة كل من تسوّل له نفسه محاولة النيل من أمن واستقرار الوطن.
لقد أسهمت هذه الرؤية الاستشرافية الشاملة في إرساء منظومة دفاعية متكاملة، تجمع بين الكفاءة الميدانية العالية والتفوّق التقني، ما وضع قواتنا المسلحة في مصافّ المؤسسات العسكرية الأكثر كفاءة على مستوى العالم كنتيجة مباشرة للتخطيط الواعي، والاستعداد المُحكم لمختلف السيناريوهات، ما انعكس بوضوح في الأداء الميداني المُشرّف، الذي نال إعجاب العالم وتقديره، مع إظهار قواتنا المسلحة تفوقاً نوعياً في تنفيذ واجباتها، والقيام بشتى المهام الموكلة إليها بكل جدارة واقتدار.
نقف في هذه المناسبة، ومعنا شعب الإمارات، لنقدّم تحية إعزاز وتقدير لمنسوبي قواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية، وشباب الخدمة الوطنية والاحتياطية، لما يجسدونه من أعلى درجات الالتزام والانضباط… وبكل تفانٍ وإقدام، واستعداد للتضحية بالغالي والنفيس، ولما يقدمونه من نموذج مُلهم للعطاء الذي يعكس عقيدةً عسكريةً راسخة، أساسها الوفاء للوطن والإخلاص لقيادته والانتماء لشعبه، والجاهزية الدائمة للدفاع عن مكتسباته.
وفي ظل ما شهدته المنطقة من أحداث متسارعة خلال الأسابيع الماضية، برز دور قواتنا المسلحة كركيزة محورية في الحفاظ على أمن الدولة واستقرارها، والتعامل مع كافة أشكال التحديات بكفاءةٍ عالية ووعيٍ إستراتيجي، فكانت بمثابة الدرع المتين الذي تصدى بكل شجاعة وإقدام لتداعيات تلك التحولات، تأكيداً لنعمة الأمن والأمان التي تحظى بها الإمارات وكل من يعيش على أرضها، والتي ستظل بمشيئة الله من أهم النعم التي منحها العلي القدير لوطننا الغالي، وميزّه بها في محيطٍ إقليمي ودولي متغير.
وبموازاة دورها الدفاعي، جسّدت قواتنا المسلحة القيم الإنسانية لدولة الإمارات، من خلال مشاركاتها الفاعلة في المهام الإنسانية وعمليات حفظ السلام، وكانت حاضرة تساعد وتساند في أوقات المحن والشدائد تفتح نوافذ الأمل لمن تقطعت بهم السبل في مختلف مناطق العالم. فقد كانت حاضرةً في ميادين العطاء، تمد يد العون، وتخفف من معاناة المتضررين، مؤكدةً أن رسالة الإمارات تتجاوز حدود الجغرافيا، وتحمل في جوهرها معاني التضامن الإنساني والمسؤولية العالمية.
خمسة عقود لم تتوقف خلالها الإمارات عن الابتكار، بل خاضت سباقاً مع الزمن تبني وترسخ قواعد الاتحاد.. فقد كان قرار توحيد القوات المسلحة بمثابة الشرارة التي اتقدت منها شعلة التطوير لبناء قاعدة دفاعية تتمتع بمقومات التميز وتعين قواتنا المسلحة على تحقيق التفوق الميداني المنشود، وامتدت يد التطوير لتبني صناعة دفاعية أصبحت خلال فترة وجيزة أحد روافد القوة للوطن، بل نجحت في أن تفرد لنفسها مكانةً تنافسية مرموقة في هذا المجال على مستوى العالم، بحضور متنامٍ في الأسواق الدولية، مدعومةً في ذلك برؤية إستراتيجية تستند إلى الابتكار والمعرفة والشراكات النوعية.
في هذه المناسبة، لا يفوتنا أن نستذكر بكل الإجلال والتقدير تضحيات شهداء الوطن الأبرار، الذين سطروا بأحرف من نور صفحاتٍ خالدة في ملحمة بناء وطن ستخلّد بطولاتهم في ذاكرته ووجدانه. لقد قدّموا أرواحهم دفاعاً عن الحق ورفعةً لراية الاتحاد.. فكان عطاؤهم عنواناً للفداء، ومصدر إلهام للأجيال، وعهداً متجدداً أن تبقى الإمارات عزيزةً منيعةً أبية في كل الأوقات.
إن إحياء الإمارات للذكرى الخمسين لتوحيد قواتها المسلحة هو تأكيد على استمرار المسيرة بثقةٍ وثبات، في ظل قيادة رشيدة تثق في أن مستقبل الإمارات يشكله عطاء أبنائها وقدرتهم على ترسيخ مقومات تقدمها وازدهارها، وتؤمن أن رفعة الوطن أمانة لا يمكن التنازل عن تحقيقها والوصول بها إلى أوج قمم المجد وأن حماية مكتسباته مسؤولية لا تهاون في حملها.
ومع دخولنا مرحلة جديدة من العمل الوطني، تبقى قواتنا المسلحة ركيزةً أساسيةً في صون الحاضر ومد جسور العبور الآمن نحو المستقبل، وفصلاً متجدداً في قصة وطنٍ يمضي في سباق التميز بعزيمة لا تخبو وإصرار لا يلين وطموح لا نهاية له، وتظل ببطولاتها وعطائها الذي لا ينضب الحصن المنيع لوطن نهجه السلام وغايته الريادة”.



