اخبار الامارات

اختبار مأزق “الاعتماد المتبادل المسلح” في حرب إيران ‹ جريدة الوطن

 

المرونة الجماعية: اختبار مأزق “الاعتماد المتبادل المسلح” في حرب إيران

 

 

جاءت الحرب ضد إيران كأحد الاختبارات الرئيسية لكيفية تعامل الاقتصاد العالمي شديد الترابط تحت الضغوط الجيوسياسية التي بات يواجهها. فعلى مدى عقود، قامت العولمة بربط تدفقات الطاقة، والأنظمة المالية، وخطوط الشحن، وسلاسل الإمداد في شبكات كثيفة كان يُفترض على نطاق واسع أنها تعمل على تعزيز الاستقرار من خلال الاعتماد المتبادل. ولكن عندما جاءت الأزمة الحالية، كشفت عن الجانب الآخر لهذه المعادلة. فعندما انتشر الصراع عبر هذه الشبكات، واجهت الحكومات إغراءً قوياً لتحويل الاعتماد المتبادل نفسه إلى أداة ضغط. وفجأة، اكتسبت طرق النفط، وأنظمة الدفع، وأسواق التأمين، وممرات الخدمات اللوجستية أهمية استراتيجية؛ ومن ثم لم يعد ما يصفه الباحثون بـ”الاعتماد المتبادل المُسلّح” – أي استخدام المواقع الاستراتيجية داخل الشبكات العالمية للتأثير في سلوك الآخرين- فقط مفهوماً مجرداً؛ بل أضاف إلى التحديات التي يواجهها النظام الدولي اليوم تحدياً جديداً، يتمثل في كيفية إدارة الضغوط دون السماح للبنية الأساسية للعولمة بأن تصبح هي نفسها ساحة صراع جديدة.

ففي عصرنا الحالي، يُدار الاقتصاد العالمي الحديث عبر أنظمة مترابطة بشكل وثيق. فنرى أن الطاقة تتدفق عبر عدد محدود من الممرات البحرية، والمعاملات المالية تتم عبر شبكات مصرفية مركزية، وسلاسل التوريد الصناعية تعتمد على عدد محدود من مراكز التصنيع؛ لذا فعندما تسيطر دولة ما على أحد هذه المراكز أو تؤثر فيه تأثيراً قوياً؛ فإنها تكتسب نفوذاً على جميع الدول الأخرى التي تعتمد على النظام نفسه. وبالتالي وبناءً على ذلك، لم تعد القوة تعتمد فقط على الجيوش أو الأراضي، بل صارت تعتمد أيضاً على السيطرة على البنية التحتية التي تسمح بتسيير التجارة والتمويل.

وتوضح الحرب الحالية هذا الهيكل بوضوح وتُجسده. فإيران لا تمتلك القدرات العسكرية التي تمتلكها الولايات المتحدة أو إسرائيل، ومع ذلك، فإن موقعها الجغرافي يضعها بجوار أحد أهم شرايين نظام الطاقة العالمي، ألا وهو مضيق هرمز. ويربط هذا الممر المائي الضيق الخليج العربي بالأسواق العالمية، وينقل حصة كبيرة من صادرات النفط العالمية. ويؤدي عدم الاستقرار حول هذا الممر إلى نقل الضغوط فوراً عبر أسواق الطاقة العالمية.

بل إن مجرد احتمال حدوث اضطراب في هذا الممر المائي الضيق يمكن أن يؤثر في الأسعار حول العالم. فتقوم ناقلات النفط بتأخير مواعيد مغادرتها، وترفع شركات التأمين أقساط المخاطر، ويبدأ التجار في إدخال حالة عدم اليقين في عملية تسعير السوق. هذا وتتفاعل أسواق النفط بسرعة هي الأخرى؛ لأن حدوث أي اضطرابات في الخليج من شأنه أن يؤثر في توقعات العرض والإمداد العالمي. وقد أشار مؤرخ الطاقة دانيال يرجين ذات مرة إلى أنه إذا كان هناك موقع واحد قادر على إحداث اضطراب في نظام النفط العالمي بين عشية وضحاها؛ فإنه سيكون هذا الممر الضيق تحديداً؛ لأن اقتصاد العالم – بهذا المعنى- يمر عبره.

ويُجسّد ما يُطلق عليه المحللون اسم “تأثير نقطة الاختناق” هذه الديناميكية خير تجسيد. فعندما يمرّ جزء كبير من التجارة العالمية عبر ممر ضيق؛ يصبح هذا الممر ذا قيمة استراتيجية. ويمكن أن يُؤدي تعطيله – ولو مؤقتاً- إلى عواقب تتجاوز حدود المنطقة المجاورة؛ إذ لا تقتصر استجابة الأسواق على الإغلاقات الفعلية فحسب، ولكن تشمل أيضاً احتمال تعطل أو انقطاع الشحن.

وتُظهر أسواق الطاقة هذا الأمر بوضوح تام وتعكسه. فارتفاع أسعار النفط يُؤثر في النقل والصناعة والزراعة، وتنتشر آثاره تدريجياً عبر الاقتصاد العالمي. وتواجه الدول التي تعتمد بشكل كبير على الوقود المستورد مشكلات مثل التضخم وتباطؤ النمو. ولذلك، فمن الممكن أن تتحول أزمة أمنية إقليمية إلى مصدر قلق اقتصادي عالمي بسرعة مذهلة.

سلاح انتشاري:

غير أن الاعتماد المتبادل المُستغل كسلاح يعمل في أكثر من اتجاه. فعلى سبيل المثال، الولايات المتحدة تحتل موقعاً قوياً داخل شبكات عالمية كثيرة، وخاصة في الأنظمة المالية. فنجد أن المعاملات المصرفية الدولية تعتمد بشكل كبير على بنية تحتية للمراسلات المالية مثل نظام سويفت (SWIFT)، الذي يربط آلاف البنوك حول العالم. فإذا ما تم تقييد الوصول إلى هذه الشبكة؛ فإن العواقب يمكن أن تكون فورية. وقد شهدت إيران ذلك بالفعل خلال جولات سابقة من العقوبات، وواجهت روسيا إجراءات مماثلة بعد غزو أوكرانيا. وفي كلتا الحالتين؛ كانت البنية التحتية المالية أداة حاسمة للتأثير الجيوسياسي.

وعلى هذا فإن الصراع الإيراني يُظهِر كيف يمكن أن تتفاعل الأشكال المختلفة من النفوذ. فصحيح أنه بإمكان إيران أن تهدد تدفقات الطاقة حول العالم بسبب حدودها الجغرافية، ولكن في نفس الوقت فإنه بإمكان واشنطن أن تحتفظ بنفوذها على الأنظمة المالية والأطر التنظيمية التي تدعم التجارة العالمية. فالقوة في النظام الدولي الحديث تعتمد بشكل متزايد على القدرة على تشكيل وتقييد هذه الهياكل المترابطة بشكل انتقائي.

وتقدم أسواق التأمين مثالاً آخر لكيفية تشكيل الشبكات الاقتصادية لمسار الصراع. فالتجارة البحرية تعتمد على التغطية التي توفرها الشركات الدولية الكبرى، وعندما تُصنّف شركات التأمين منطقة ما بأنها شديدة الخطورة؛ قد ترفض السفن دخولها حتى لو ظلّ الطريق فعلياً مفتوحاً. فحتى ولو أن الميناء يعمل بكامل طاقته؛ إلا أن التجارة تتراجع في هذه الحالة بسبب ضعف الآليات المالية الداعمة للنقل. بعبارة أخرى، فإن الشحن التجاري لا يعتمد على الأمن البحري فحسب؛ بل على الثقة المالية كذلك.

ارتدادات مكلفة:

تمتد عواقب الاضطراب القائم إلى ما هو أبعد من منطقة الشرق الأوسط بكثير. فأسعار الطاقة تؤثر في الاستقرار الاقتصادي في جميع أنحاء العالم. فعندما ترتفع تكاليف النفط؛ يصبح النقل أكثر تكلفة، وتتقلص هوامش الربح في قطاع الصناعة، وتبدأ أسعار المنتجات في الارتفاع. وتُسجّل الاقتصادات المتقدمة هذا الذي يحدث على أنه تضخم؛ أما الدول النامية – حيث يزداد الاعتماد على الوقود المستورد- فقد تكون الآثار عليها أشدّ وطأة. ولا يقتصر الأمر على النفط والغاز فقط، فهما ليسا السلعتين الوحيدتين اللتين تنتقلان عبر الخليج، فالأسمدة والبتروكيماويات وغيرها من المواد الصناعية الأخرى يتم نقلها من منطقة الخليج إلى الأسواق العالمية في آسيا وأوروبا وإفريقيا؛ مما يعني أن أي انقطاعات يمكن أن تؤثر في نهاية المطاف في الزراعة والصناعة في اقتصادات بعيدة. ولا يتوقف تأثير الاضطراب هنا، بل تُضخّم الأسواق المالية هذه التطورات بشكل أكبر مع قيام المستثمرين بتحويل رؤوس أموالهم نحو أصول أكثر أماناً؛ فتتقلب العملات، وترتفع تكاليف الاقتراض؛ مما يُلقي بضغوط إضافية على الدول ذات الأوضاع الاقتصادية الهشة.

ولا يوجد مكان ظهر فيه هذا الضعف بشكل أكثر وضوحاً مما هو عليه في الصين. فبصفتها أكبر مستورد للطاقة في العالم، تعتمد الصين اعتماداً كبيراً على شحنات النفط من الشرق الأوسط، والتي يمرّ معظمها عبر مضيق هرمز قبل وصولها إلى الأسواق الآسيوية. وقد وصف الرئيس الصيني السابق هو جين تاو اعتماد الصين على طرق الطاقة البحرية بأنه “مأزق ملقا”. وكشفت الأزمة الحالية عن خطر مماثل هيكلياً في الخليج العربي؛ وهو خطر يُهدد أمن الطاقة الصيني حتى من دون وجود بكين كطرف مباشر في الصراع.

ويعكس هذا الواقع حقيقة أوسع نطاقاً من الاعتماد المتبادل المسلح ألا وهي: لا توجد قوة عظمى بمنأى تام عن مخاطر الشبكة. فبعض الدول تُهيمن على الأنظمة المالية، بينما تُسيطر دول أخرى على الصناعة أو المعادن الحيوية، في حين تتمتع مجموعة دول ثالثة بنفوذ على طرق النقل الاستراتيجية. وهكذا فكل موقع يُوفر نفوذاً معيناً، ولكنه يُولّد أيضاً نقاط ضعف.

وتدريجياً، تعمل هذه الديناميكيات على إعادة تشكيل الطريقة التي تفكر بها الحكومات تحت مظلة نظام العولمة. فلعقود مضت، كان تنظيم التجارة الدولية يتمحور بصورة أساسية حول الكفاءة وانخفاض تكاليف الإنتاج فقط. أما اليوم، فقد أصبحت المخاوف الأمنية لا تقل أهمية. ولذا صارت الحكومات تستثمر في الصناعات المحلية، وتفرض قيوداً على التكنولوجيات الحساسة، وتدقق في سلاسل التوريد بعناية فائقة.

التكيف المضاد:

من بين ردود الأفعال الناشئة عن حدوث الاضطرابات ظهور مفهوم “المرونة الجماعية”، وهو فكرة مفادها أن الدول المتحالفة يجب أن تتكاتف في رد فعلها عند تعرض إحداها لضغوط اقتصادية. فبدلاً من مواجهة الإكراه منفردة؛ يتعين على الدول أن تنسق جهودها من خلال الاحتياطيات الاستراتيجية، وسلاسل التوريد المتنوعة، والترتيبات المالية البديلة لتوزيع تكاليف الاضطرابات على مجموعة أوسع من الشركاء. والهدف في هذا واضح، ألا وهو: الحد من فعالية الإكراه الاقتصادي بجعل عزل أي هدف منفرد أكثر صعوبة.

وتُظهر الأزمة الحالية أن هذا النوع من التعاون ما يزال في طور التطور. فقد قامت بعض البلدان بتنسيق عمليات إطلاق احتياطياتها النفطية الاستراتيجية لتحقيق الاستقرار في الأسواق، ولكن التنسيق الاقتصادي الأعمق لا يزال محدوداً. وما يزال نظام الاقتصاد العالمي يعتمد على عدد محدود من النقاط المحورية الحيوية – كالممرات البحرية، ومراكز إنتاج أشباه الموصلات، وسلاسل توريد المعادن- وبسبب هذا الهيكل؛ يمكن للاضطرابات في منطقة ما أن تتحرك وتنتشر بسرعة عبر النظام بأكمله؛ أي في جميع أنحاء العالم.

وفي نهاية المطاف، تكشف الحرب ضد إيران عن أمر جوهري يتعلق بطبيعة القوة الحديثة. فبالرغم من أن القوة العسكرية ما تزال مهمة؛ فإن النفوذ على الشبكات الاقتصادية بات بنفس القدر من الأهمية والحسم. فالدول التي تسيطر على البنية التحتية المالية، أو طرق الطاقة، أو المنصات التكنولوجية، أو الموارد الاستراتيجية تتمتع بمزايا تتجاوز بكثير ساحة المعركة. فالصراعات، في عالم يتشكل من خلال الاعتماد المتبادل المسلح، نادراً ما تبقى محصورة في الجبهات العسكرية؛ بل تنتقل عبر الشبكات التي تدعم التجارة العالمية، لتعيد تشكيل الأسواق وفرض القرارات السياسية في أماكن بعيدة كل البعد عن بؤرة الصراع.

” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى