هل تنجح سياسة “المناورة المحسوبة” لبلغاريا بعد تحوّلات الانتخابات؟ ‹ جريدة الوطن
اختبار راديف: هل تنجح سياسة “المناورة المحسوبة” لبلغاريا بعد تحوّلات الانتخابات؟
أسفرت الانتخابات البرلمانية التي شهدتها بلغاريا في 19 إبريل 2026 عن فوز رئيس الجمهورية السابق، رومن راديف، وائتلافه “بلغاريا التقدمية” بأكثر من 45% من الأصوات، مع ترجيحات بحصوله على أغلبية مريحة داخل البرلمان تصل إلى نحو 135 مقعداً من أصل 240. ولا يقتصر هذا الفوز على كونه انتصاراً انتخابياً تقليدياً؛ بل يعكس إعادة تشكيل للمشهد السياسي في البلاد، عقب سنوات من عدم الاستقرار الذي أضعف مؤسسات الدولة وعمّق فجوة الثقة بين المواطنين والنخب الحاكمة.
كما يثير فوز راديف تساؤلات حول اتجاهات السياسة الخارجية لبلغاريا خلال الفترة المقبلة، خاصة في ظل مواقفه المتحفظة تجاه بعض سياسات الاتحاد الأوروبي، ودعوته إلى الحوار مع روسيا؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة بين دفع الإصلاحات الداخلية والحفاظ على التزامات بلغاريا الأوروبية.
عدم استقرار سياسي:
تُعد هذه الانتخابات، وهي الثامنة خلال خمس سنوات؛ تتويجاً لأزمة سياسية ممتدة في بلغاريا تفجّرت على خلفية احتجاجات متكررة ضد الفساد، كان أبرزها في ديسمبر 2025 حين قادت الاحتجاجات إلى سقوط الحكومة آنذاك. وفي هذا السياق، جاء صعود راديف كتعبير واضح عن حالة السخط الشعبي المتراكم تجاه منظومة سياسية يُنظر إليها على أنها غير قادرة على الإصلاح.
ومنذ عام 2021، تعيش بلغاريا -أفقر دول الاتحاد الأوروبي- حالة من عدم الاستقرار السياسي؛ تجسدت في برلمانات منقسمة وحكومات قصيرة العمر، وسط تصاعد الشعور بأن الفساد المستشري يعرقل أي مسار حقيقي للإصلاح. وعلى الرغم من مرور عقود على سقوط الشيوعية، وانضمام بلغاريا لاحقاً إلى الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو؛ لا تزال التحديات الاقتصادية والاجتماعية قائمة؛ ما عمّق فجوة الثقة بين المواطنين والسلطة.
وفي هذا السياق، نجح راديف، الذي استقال من منصبه الرئاسي في يناير 2026 للترشح للانتخابات البرلمانية؛ في تقديم نفسه كبديل سياسي “نظيف” نسبياً، مستفيداً من شعبيته وابتعاده عن شبهات الفساد؛ ليحوّل هذه الانتخابات إلى استفتاء على التغيير.
تحوّل انتخابي:
حمل التصويت الشعبي في بلغاريا دلالات تتجاوز مجرد تغيير في نتائج الانتخابات البرلمانية؛ ليعكس تحوّلاً واضحاً في سلوك الناخبين واتجاهاتهم. فقد منح البلغاريون أصواتهم لقوى سياسية ترفع شعار التغيير ومكافحة الفساد، في تعبير مباشر عن رفض متزايد للأحزاب التقليدية التي هيمنت على المشهد السياسي خلال العقد الماضي. وجاء هذا التحوّل مدفوعاً بحالة إنهاك سياسي واجتماعي، بعد سنوات من الحكومات غير المستقرة وتكرار الأزمات دون إيجاد حلول ملموسة.
وقد تجسد هذا التحوّل بوضوح في الفوز الكبير الذي حققه ائتلاف “بلغاريا التقدمية” بقيادة راديف، والذي يُعد من أقوى النتائج الانتخابية في بلغاريا منذ سنوات. كما عزز ارتفاع نسبة المشاركة في هذه الانتخابات إلى نحو 50% مقارنة بـ34% في انتخابات 2024؛ شرعية هذا الفوز، وأكد عودة جزء من الثقة في العملية السياسية بعد سنوات من العزوف.
في المقابل، تكبدت الأحزاب التقليدية خسائر واضحة؛ حيث حل حزب “غيرب” بزعامة بويكو بوريسوف، رئيس الوزراء السابق، في المركز الثاني بفارق كبير، بينما جاء تحالف “نواصل التغيير – بلغاريا الديمقراطية” في المرتبة الثالثة.
ولا تعكس هذه النتائج مجرد تغيير في موازين القوى داخل البرلمان البلغاري؛ بل تشير إلى لحظة سياسية فارقة تعيد تشكيل النظام الحزبي في البلاد، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها اختبار قدرة راديف على ترجمة هذا التفويض الشعبي إلى إصلاحات حقيقية تُنهي سنوات من الجمود السياسي.
ويُعد راديف من أبرز الشخصيات السياسية في بلغاريا خلال العقد الأخير، حيث جمع بين الخلفية العسكرية والحضور الشعبي؛ ما منحه موقعاً فريداً في المشهد السياسي. فالرجل البالغ من العمر 62 عاماً، هو طيار مقاتل سابق وقائد للقوات الجوية، تولّى رئاسة البلاد بين عامي 2017 و2026، ونجح خلال تلك الفترة في ترسيخ صورته كسياسي قريب من الشارع وغير متورط في قضايا فساد، وكان ذلك عاملاً حاسماً في بيئة سياسية تعاني من فقدان الثقة بالنخب التقليدية.
وكان قرار راديف بتقديم استقالته من منصبه الرئاسي وخوض الانتخابات البرلمانية؛ بمثابة خطوة غير تقليدية عكست رغبته في الحفاظ على حضوره السياسي وتعزيز دوره في صُنع القرار، خاصة في ظل محدودية صلاحيات الرئيس في النظام البلغاري. وقد تمكّن من توظيف شعبيته، مدعومة بحملة انتخابية منظمة، لتوسيع قاعدة تأييده عبر شرائح متنوعة من المجتمع، شملت محافظين يميلون إلى روسيا، وشباباً ذوي توجهات أوروبية؛ ما عكس قدرته على تجاوز الانقسامات الأيديولوجية التقليدية وبناء تحالف انتخابي يتجاوز الانقسامات الأيديولوجية.
ويُنظر إلى راديف كزعيم براغماتي يتبنى مواقف متوازنة، وإن كانت مثيرة للجدل. فهو ناقد لسياسات الاتحاد الأوروبي في بعض الملفات، خاصة العقوبات على روسيا وسياسات الطاقة، كما دعا مراراً إلى حوار بنّاء مع موسكو. وفي الوقت نفسه، عارض تقديم دعم عسكري إضافي لأوكرانيا؛ ما أثار مخاوف داخل الأوساط الأوروبية من أن يتحوّل إلى “شريك صعب”، على غرار التجربة المجرية في عهد فيكتور أوربان؛ لكن هذا التوصيف لا يلغي حقيقة أن راديف لا يطرح قطيعة مع الغرب؛ بل يسعى إلى إعادة تعريف موقع بلغاريا ضمن معادلة أكثر توازناً بين روسيا وأوروبا.
معركة الداخل:
يواجه راديف تحديات داخلية معقدة لا تقتصر على الجانب السياسي؛ بل تمتد إلى أزمات اقتصادية واجتماعية متراكمة. فعلى الرغم من التحسن النسبي الذي شهدته بلغاريا منذ سقوط الشيوعية عام 1989، ثم انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي؛ ما تزال البلاد من بين أضعف اقتصادات التكتل الأوروبي، مع استمرار فجوات التنمية وتفشي الفساد.
كما تبرز أزمة تكلفة المعيشة كأحد أبرز التحديات الراهنة، خاصة بعد اعتماد اليورو مطلع عام 2026، وهي خطوة أثارت جدلاً واسعاً وأسهمت في تزايد الضغوط الاقتصادية على المواطنين. وقد كانت هذه الأزمة، إلى جانب الاحتجاجات على سياسات مالية تضمنت زيادات ضريبية وارتفاع مساهمات الضمان الاجتماعي، من العوامل الرئيسية التي أدت إلى سقوط الحكومة السابقة، وأعادت توجيه أولويات الناخبين نحو القضايا المعيشية والاستقرار الداخلي، أكثر من ملفات السياسة الخارجية.
وفي هذا السياق، كانت مكافحة الفساد بمثابة “الشعار المركزي” في حملة راديف، في ظل استياء شعبي متزايد من هيمنة ما يُعرف بـ”الأوليغارشية” على مؤسسات الدولة. وقد تعهد راديف بتفكيك هذا النموذج، وإعادة بناء مؤسسات الحكم على أسس من الشفافية والاستقلال، مع التركيز بشكل خاص على إصلاح الجهاز القضائي، الذي يُنظر إليه كأحد أبرز مراكز النفوذ والتأثير في البلاد.
وعلى الرغم من أن نتائج الانتخابات البرلمانية منحت ائتلاف “بلغاريا التقدمية” تفويضاً قوياً؛ فإن تنفيذ هذه الإصلاحات لن يكون سهلاً؛ إذ سيحتاج راديف إلى بناء توافق سياسي أوسع، خاصة لتمرير تشريعات تتطلب أغلبية معززة، مثل إصلاح القضاء، وإنهاء الضغوط السياسية على المؤسسات. كما أن نجاحه سيظل مرهوناً بقدرته على تحقيق توازن بين الاستجابة للتوقعات الشعبية المرتفعة، وإدارة واقع اقتصادي صعب، في ظل اعتماد البلاد المستمر على الدعم الأوروبي.
في المحصلة، يبدو أن معركة راديف الحقيقية ستبدأ في الداخل؛ حيث ستُختبر قدرته على تحويل الخطاب الإصلاحي إلى سياسات ملموسة، تعالج جذور الأزمة الاقتصادية وتعيد الثقة في مؤسسات الدولة.
البعد الروسي:
لا يمكن قراءة صعود راديف بمعزل عن البعد الروسي في خطابه السياسي. فمنذ سنوات، تبنّى راديف مواقف تدعو إلى الحوار مع موسكو، وانتقد العقوبات الأوروبية، ورفض إرسال مساعدات عسكرية إلى أوكرانيا؛ معتبراً أن استمرار الحرب لا يخدم مصالح بلغاريا. وقد عززت هذه المواقف صورته كزعيم براغماتي، يسعى إلى إعادة التوازن في العلاقات الدولية؛ لكنها في الوقت نفسه أثارت مخاوف خصومه الذين يرون أنها تتقاطع مع الرؤية الروسية، خاصة في ظل الحرب الأوكرانية.
وقد رحب الكرملين بهذه التوجهات بحذر؛ حيث أشاد المتحدث باسم الرئاسة الروسية، ديمتري بيسكوف، بتصريحات راديف حول أهمية الحوار مع موسكو؛ معتبراً أنها تعكس استعداداً لحل الأزمات عبر القنوات الدبلوماسية؛ لكنه في الوقت نفسه تجنب استباق النتائج أو البناء على هذا الفوز سياسياً بشكل مباشر. ويعكس هذا الموقف الروسي إدراكاً لخصوصية الحالة البلغارية، التي لا تسمح بانحياز كامل نحو موسكو، بالرغم من الروابط التاريخية والثقافية العميقة بين البلدين.
وفي الداخل البلغاري، يرتبط البعد الروسي أيضاً بطبيعة المجتمع ذاته؛ حيث تتقاطع مشاعر الإحباط من الاتحاد الأوروبي مع روابط ثقافية ودينية ولغوية ممتدة مع موسكو؛ ما جعل المشهد السياسي يتحوّل تدريجياً من انقسام تقليدي بين اليسار واليمين إلى صراع أوسع بين الشرق والغرب. وقد نجح راديف في استثمار هذا التداخل، مقدماً نفسه كطرف قادر على التوازن بين المعسكرين؛ مؤكداً في الوقت نفسه أن مواقفه مؤيدة لبلغاريا وأوروبا، وليست انحيازاً لروسيا.
فيما يعكس التفاعل داخل الأوساط الروسية مع فوز راديف حالة من التباين أكثر من كونه موقفاً موحداً. فهناك اتجاه يربط صعوده بإمكانية حدوث تغيير في موقف بلغاريا من الحرب في أوكرانيا؛ مستنداً إلى مواقفه الرافضة للدعم العسكري والداعية للحوار مع موسكو، ويرى فيه مؤشراً على تراجع التماسك داخل الموقف الأوروبي. في المقابل، تميل قراءات أخرى إلى تفسير فوزه بشكل أكثر واقعية؛ كونه تعبيراً عن بيئة داخلية وضغوط اقتصادية وسياسية، وليس تحوّلاً واضحاً نحو روسيا. فمواقفه تُفهم في هذا السياق كنوع من البراغماتية ومحاولة تحقيق توازن في السياسة الخارجية، وليس كاصطفاف كامل.
ترقب أوروبي:
لم تُظهر العواصم الأوروبية حماساً واضحاً لتهنئة راديف عقب فوزه، على عكس ما حدث مع صعود الزعيم المجري الجديد، بيتر ماغيار، في مؤشر يعكس قدراً من التحفظ تجاه توجهات راديف. ويعود هذا التريث إلى حالة من القلق الحذر داخل الأوساط الأوروبية، في ظل مواقف راديف المتحفظة تجاه دعم أوكرانيا، وانتقاداته لبعض سياسات الاتحاد الأوروبي، ولا سيّما في مجالي العقوبات والطاقة.
وثمة مخاوف من أن فوز راديف قد لا يكون خبراً جيداً لكييف، في ظل توقعات باستمراره في معارضة إرسال أسلحة إلى أوكرانيا، إضافة إلى دعواته لاستئناف استيراد الطاقة الروسية. كما أن هناك تخوفاً من احتمال ظهور أغلبية برلمانية أقل التزاماً بالنهج الأوروبي التقليدي؛ وهو تطور غير مسبوق نسبياً في السياسة البلغارية الحديثة، حتى وإن لم يصل إلى حد الانحياز العلني لموسكو.
وبالرغم من هذه المخاوف؛ تستبعد بعض التقديرات دخول راديف في صدام مباشر مع الاتحاد الأوروبي أو الناتو، في ظل اعتماد بلغاريا الكبير على التمويل الأوروبي، إلى جانب التوازنات السياسية الداخلية التي تفرضها قوى مؤيدة للغرب داخل البرلمان؛ ما يحدّ من هامش تحركه.
وفي هذا السياق، يبدو أن أوروبا تتعامل مع فوز راديف بسياسة “الانتظار والترقب”؛ سعياً لاختبار مواقفه بشكل عملي، خاصة وأنه –بالرغم من خطابه النقدي- يواصل تأكيد التزامه بالمسار الأوروبي؛ ما يضعه أمام معادلة دقيقة بين الحفاظ على شعبيته الداخلية القائمة على خطاب الاستقلالية، وعدم الإخلال بالتزامات بلاده داخل المنظومة الأوروبية.
معضلة التوازن:
تشير المعطيات الحالية إلى أن السياسة الخارجية لبلغاريا في عهد راديف مرشحة لأن تتطور في اتجاه يقوم على إدارة توازن دقيق بين الاعتبارات الوطنية والالتزامات الأوروبية، بدلاً من إحداث تحوّل جذري في تموضع بلغاريا. فمن المرجح أن يستمر في تأكيد ارتباط بلاده بالمؤسسات الأوروبية، مع الدفع تدريجياً نحو مقاربة أكثر براغماتية في التعامل مع روسيا، خاصة في ملفات الطاقة والأمن. وقد ينعكس ذلك في تبني مواقف أقل حدة تجاه دعم أوكرانيا، دون الوصول إلى حد تعطيل سياسات الاتحاد الأوروبي؛ بما يتيح له الحفاظ على هامش مناورة محدود داخل الإطار الأوروبي.
وستظل خيارات راديف مقيدة بعوامل داخلية وخارجية، أبرزها اعتماد بلغاريا على التمويل الأوروبي، ووجود قوى سياسية مؤيدة للغرب داخل البرلمان البلغاري؛ ما يرجح أن يدفعه نحو تجنب أي تصعيد مع بروكسل أو الناتو. وعلى هذا الأساس، يُتوقع أن يتجه إلى تبني نموذج “المناورة المحسوبة”؛ حيث يسعى إلى توسيع مساحة الاستقلال النسبي في السياسة الخارجية، مع إعطاء أولوية للملفات الداخلية مثل الإصلاح الاقتصادي ومكافحة الفساد. وبذلك، قد تمثل المرحلة المقبلة اختباراً لقدرة بلغاريا على إعادة صياغة موقعها داخل التوازنات الأوروبية، دون الانزلاق إلى استقطاب حاد بين روسيا أو الغرب.
في الأخير، يعكس صعود راديف لحظة مهمة في مسار بلغاريا؛ حيث تتقاطع رغبة الداخل في التغيير مع تعقيدات المشهد الدولي. وبالرغم مما يحمله من تفويض شعبي لإصلاح الاقتصاد ومكافحة الفساد؛ فإن نجاحه سيعتمد على قدرته على تحقيق توازن بين متطلبات الداخل وضغوط الخارج. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في الفوز بالانتخابات؛ بل في تحويل هذا الفوز إلى خطوات عملية تعيد ثقة المواطنين في النخب السياسية، مع الحفاظ على موقع بلغاريا داخل الإطار الأوروبي.
” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”



