تقنية

متلازمة الهرس.. لماذا يموت بعض الناجين من حوادث انهيار المناجم بعد إنقاذهم؟


انطلاقا من مأساة منجم “كليتي” بالسودان، يبرز تساؤل يكتنفه الغموض حول اللحظات التي تلي إنقاذ العالقين.

ويظن الجميع أن الخطر قد زال بمجرد إنقاذ العالقين، لكن الحقيقة أن رفع الأنقاض عنهم يكون بداية لمعركة بيولوجية خفية داخل جسد الناجي، تُعرف طبياً بـ “متلازمة الهرس” (Crush Syndrome).

ويعرف د.أنور شهدي، استشاري طب الطوارىء، هذه المتلازمة بأنها ليست مجرد نتيجة ثانوية للإصابة، بل هي استجابة فسيولوجية معقدة تبدأ حين يتعرض جزء من الجسم، كالساقين أو الذراعين، لضغط هائل ومستمر يؤدي إلى انقطاع التروية الدموية عن العضلات، مما يدخل الخلايا في حالة من “الموت السريري” وهي لا تزال داخل الجسد.

ويقول شهدي للعين الإخبارية: ” هنا تكمن المفارقة المأساوية التي وثقتها الدراسات التاريخية والطبية، ولعل أبرزها الدراسة الكلاسيكية التي أجراها الطبيبان “إريك بايواترز” و”ديفيد بيل” عام 1941 أثناء قصف لندن في الحرب العالمية الثانية”.

 ويضيف أن الطبيبين لاحظا أن المصابين الذين يتم إخراجهم من تحت الأنقاض وهم في حالة وعي واستقرار ظاهري، سرعان ما تدهورت حالتهم بشكل مفاجئ، وتم تفسير ذلك بأن الضغط المسلط على العضلات يحبس داخلها سموماً ناتجة عن تحلل الأنسجة، وبمجرد رفع الأنقاض وتحرير العضو المصاب، يتدفع الدم مجدداً إلى المنطقة المصابة حاملاً معه “كوكتيلاً” قاتلاً من البوتاسيوم والميوجلوبين والفوسفور إلى الدورة الدموية المركزية، وهو ما يُعرف بـ “إصابة إعادة التروية”.

موت المبتسم

وعلاوة على ذلك، فإن هذا التدفق المفاجئ للبوتاسيوم بتركيزات عالية يربك النشاط الكهربائي للقلب، مما قد يؤدي إلى سكتة قلبية فورية، وهي الحالة التي تصفها بعض المراجع الطبية بـ “موت المبتسم”، لأن الناجي قد يفارق الحياة وهو يتحدث مع منقذيه.

 أما من ينجو من هذه الصدمة القلبية الأولى، فيواجه تهديداً لا يقل خطورة، حيث يشير “الجرنال الطبي لنيو إنجلاند” في تقارير حول ضحايا الزلازل والمناجم، إلى أن بروتين “الميوجلوبين” المنطلق من العضلات الميتة يتسبب في انسداد القنوات الدقيقة داخل الكلى، مما يؤدي إلى فشل كلوي حاد في غضون ساعات، وهو ما يفسر حاجة الناجين الماسة لعمليات غسيل كلى فورية لإنقاذ حياتهم.

 قاتل صامت في حوادث المناجم ينتظر رفع الأنقاض

عوامل بيئية إضافية

وتتفاقم هذه الأوضاع في بيئات المناجم تحديداً، حيث تلعب العوامل البيئية دورا حاسما في تقليل فرص النجاة بعد الإنقاذ. فوفقاً للأبحاث المتعلقة بطب الكوارث، فإن الجفاف الحاد ونقص الأكسجين، إضافة إلى استنشاق الغبار الناعم كغبار السيليكا، يضع أجهزة الجسم في حالة من “الإجهاد الأقصى”.

وفي حالة حادث منجم السودان، فإن نقص الإمكانيات والمعدات، كما أفادت شبكة أطباء السودان، لا يطيل أمد الحصار فحسب، بل يجعل عملية الإنقاذ تتم بطرق قد تفتقر إلى البروتوكول الطبي الوقائي، والذي يتطلب تزويد المصاب بمحاليل وريدية ملحية مكثفة قبل رفع الأنقاض عنه، وذلك لتخفيف تركيز السموم ومنع ترسبها في الكلى فور تحريره.

aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA= جزيرة ام اند امز NL

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى