بريت ماكغورك.. مهندس الواقعية الأمريكية في الشرق الأوسط لعقدين
تتغير استراتيجيات الإدارات الأمريكية وتتبدل أولوياتها، لكن بريت ماكغورك استطاع أن يحافظ على موقعه كأحد أبرز مهندسي سياسة واشنطن بالشرق الأوسط لمدة 20 عاما.
نهج تقول مجلة فورين بوليسي إنه استند لمقاربة براغماتية تقدّم «إدارة الواقع» على «تغييره»، في مسيرة نادرة لمسؤول استطاع البقاء والتأثير عبر 4 إدارات متعاقبة، جمهورية وديمقراطية.
وهذا الحضور المستمر الذي جعله مرجعًا إعلاميًا لفهم تعقيدات المنطقة، يضع إرثه اليوم تحت مجهر التقييم، خاصة في ظل تداعيات حرب غزة والحرب مع إيران.
فبالنسبة للبعض، يمثل ماكغورك نموذجًا للدبلوماسي الفعّال الذي يفهم حدود القوة الأمريكية، بينما يراه آخرون تجسيدًا لإخفاقات استراتيجية متراكمة.
صعود في قلب الأزمات
تشكّلت رؤية ماكغورك السياسية في العراق، حيث بدأ مسيرته مستشارًا قانونيًا بعد الغزو الأمريكي عام 2003، ضمن مشروع طموح لإعادة بناء الدولة.
لكن التجربة الميدانية، التي كشفت عن انزلاق سريع نحو العنف الطائفي، دفعت به مبكرًا إلى التشكيك في جدوى مشاريع “بناء الدول” واسعة النطاق.
وداخل إدارة جورج دبليو بوش، أصبح جزءًا من الفريق الذي صاغ استراتيجية “زيادة القوات” عام 2007، وهي محطة مفصلية أظهرت قدرته على تقديم خيارات واضحة للرئيس في لحظات حرجة.
غير أن هذا النهج البراغماتي كشف أيضًا عن ثغراته، خاصة في تعاطيه مع القضية الفلسطينية، التي اعتبرها بعض المسؤولين داخل الإدارة “نقطة عمياء” في رؤيته، إذ جرى التعامل معها كملف ثانوي أو ورقة تفاوض ضمن ترتيبات إقليمية أوسع.
من الطموح إلى البراغماتية
مع عودته إلى البيت الأبيض في إدارة جو بايدن عام 2021، حمل ماكغورك رؤية مغايرة لما سبق، تقوم على التخلي عن الأهداف الكبرى والتركيز على خطوات تدريجية محسوبة. وعبّر عن ذلك بشعار “العودة إلى الأساسيات”، داعيًا إلى مواءمة دقيقة بين الأهداف والوسائل، بدلًا من الانخراط في مشاريع طموحة يصعب تحقيقها.
غير أن هذا النهج البراغماتي كشف أيضًا عن ثغراته، خاصة في تعاطيه مع القضية الفلسطينية، التي اعتبرها بعض المسؤولين داخل الإدارة “نقطة عمياء” في رؤيته، إذ جرى التعامل معها كملف ثانوي أو ورقة تفاوض ضمن ترتيبات إقليمية أوسع.
غزة.. اختبار النفوذ وحدود الواقعية
شكّل هجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 نقطة تحول حاسمة في مسيرة ماكغورك.
فمنذ اللحظة الأولى، تبنى موقفًا واضحًا بدعم إسرائيل، وهو ما انعكس في رسالته المبكرة: “نحن معكم”، وسرعان ما أصبح أحد أبرز مهندسي الرد الأمريكي، الذي جمع بين الدعم العسكري لإسرائيل والسعي إلى إدارة الأزمة عبر مفاوضات الرهائن.
وقاد ماكغورك جهودًا دبلوماسية مكثفة أفضت إلى هدنة مؤقتة أواخر 2023، أُطلق خلالها سراح أكثر من 100 رهينة مقابل أسرى فلسطينيين.
لكنه تمسك برفض استخدام المساعدات العسكرية كورقة ضغط، معتبرًا أن ذلك سيقوض فرص التوصل إلى اتفاق، واصفًا أي خطوة في هذا الاتجاه بأنها “ساذجة وغير واقعية”.
وهذا الموقف وضعه في مواجهة مباشرة مع تيارات داخل الإدارة الأمريكية، بما في ذلك مسؤولون كبار دعوا إلى تقييد الدعم لإسرائيل مع تصاعد الخسائر المدنية في غزة.
كما واجه انتقادات واسعة من منظمات حقوقية وجناح تقدمي في الحزب الديمقراطي، اتهمته بالمساهمة في تمكين حرب مدمرة.
غير أن هذه المرحلة ارتبطت أيضًا بواحدة من أكثر النقاط إثارة للجدل في مسيرته، وهي دعمه القوي لرئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي، الذي اتُهم لاحقًا بتغذية الانقسامات الطائفية، ما ساهم في تهيئة البيئة لصعود تنظيم “داعش”.
ورغم الانتقادات الحادة، واصل ماكغورك صعوده، ليصبح أحد أبرز مهندسي الاستراتيجية الأمريكية ضد تنظيم داعش.
وكان من أكثر المدافعين عن التحالف مع “وحدات حماية الشعب” الكردية في سوريا، في قرار أثبت فعاليته عسكريًا، لكنه كاد يدفع العلاقات مع تركيا إلى أزمة عميقة بسبب ارتباط تلك القوات بحزب العمال الكردستاني.
وفي الوقت ذاته، أظهر ماكغورك قدرة على إدارة ملفات شديدة التعقيد، كما في دوره المحوري في مفاوضات 2016 التي أسفرت عن إطلاق سراح رهائن أمريكيين من إيران، في صفقة تضمنت الإفراج عن أصول مالية إيرانية مجمدة، وأثارت جدلًا سياسيًا واسعًا داخل واشنطن.

في المقابل، يرى مؤيدوه أن تدخله لعب دورًا في كبح جماح التصعيد الإسرائيلي ومنع سيناريوهات أكثر كارثية، مؤكدين أن واشنطن مارست ضغوطًا غير معلنة لتخفيف حدة العمليات.
النفوذ والجدل: كيف يُقرأ إرث ماكغورك؟
يُجمع كثير من الدبلوماسيين على أن ماكغورك كان من أكثر الشخصيات تأثيرًا في ملف الشرق الأوسط خلال العقدين الماضيين، بفضل قدرته على الجمع بين فهم موازين القوة وبناء العلاقات مع الفاعلين الإقليميين.
ويصفه مؤيدوه بأنه “دبلوماسي واقعي” يدرك أن المنطقة لا تستجيب للحلول المثالية.
لكن هذا النفوذ نفسه جعله هدفًا لانتقادات حادة، فمنتقدوه يرون أن نهجه اعتمد على حلول قصيرة الأمد لمعالجة أزمات مزمنة، ما ساهم في إعادة إنتاج الصراعات بدل حلها.
كما يُؤخذ عليه تركيزه على النخب الحاكمة على حساب فهم المجتمعات المحلية، وهو ما أدى، بحسب بعض التقديرات، إلى قراءة ناقصة لديناميكيات المنطقة.
ويمتد الجدل إلى تقييم نتائجه: فبينما يشير ماكغورك إلى إضعاف إيران ووكلائها، وتراجع تهديد “داعش”، يرى منتقدوه أن هذه “الإنجازات” جاءت على حساب استقرار طويل الأمد، وأدت إلى أزمات إنسانية عميقة، من العراق إلى غزة.
وخلصت المجلة إلى مسار بريت ماكغورك يعكس معضلة أوسع في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط تتمثل في كيفية تحقيق التوازن بين المصالح الاستراتيجية والقيم المعلنة وبين إدارة الأزمات والسعي لحلها.
aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA= جزيرة ام اند امز



