تقنية

الطاقة النووية خيار أوروبا لتأمين الإمدادات في مواجهة الاضطرابات


أكد الخبير الاقتصادي الفرنسي في شؤون الطاقة النووية، بمفوضية الطاقة الذرية والطاقات البديلة الفرنسية، توماس بورديل، أن تطورات الشرق الأوسط تمثل «اختبارا حقيقيا لقدرة أوروبا على تأمين احتياجاتها من الطاقة بعيدا عن التقلبات الجيوسياسية».

وفي ظل التصعيد الجيوسياسي المتسارع المرتبط بالحرب الأمريكية–الإسرائيلية–الإيرانية، وما يمثله مضيق هرمز من شريان حيوي لإمدادات الطاقة العالمية، تتزايد المخاوف من اضطرابات حادة في أسواق النفط والغاز، الأمر الذي أعاد طرح الطاقة النووية كخيار استراتيجي مؤقت لتعزيز أمن الطاقة في أوروبا.

وأضاف بورديل، خلال تصريحات خاصة لـ«العين الإخبارية»، أن «أي اضطراب في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو ثلث تجارة النفط العالمية، سيؤدي حتمًا إلى ارتفاعات حادة في الأسعار، وهو ما يدفع الدول الأوروبية إلى إعادة التفكير بجدية في مزيج الطاقة لديها، خاصة الطاقة النووية».

وأوضح بورديل أن فرنسا تمتلك بالفعل بنية تحتية قوية في هذا المجال، مشيرًا إلى أن «الطاقة النووية تمثل العمود الفقري لإنتاج الكهرباء في فرنسا، وهو ما يمنحها ميزة نسبية مقارنة بدول أوروبية أخرى تعتمد بشكل أكبر على الغاز المستورد».

وأشار إلى أن الأزمة الحالية قد تُسرّع من خطط إعادة تأهيل المفاعلات النووية القديمة، ليس فقط في فرنسا، بل أيضًا في دول مثل ألمانيا، التي كانت قد اتخذت سابقًا قرارًا بالتخلي التدريجي عن الطاقة النووية.

ويرى الخبير الفرنسي أن أوروبا تقف حاليًا أمام لحظة مفصلية قد تدفع نحو «انتعاشة محسوبة» لقطاع الطاقة النووية، خاصة في فرنسا التي تمتلك بنية تحتية متقدمة وخبرة تاريخية في تشغيل المفاعلات.

وأوضح أن باريس بدأت بالفعل في مراجعة استراتيجيتها عبر خطط لتحديث المفاعلات القائمة وبناء وحدات جديدة، في ظل الحاجة إلى مصادر طاقة مستقرة لا تتأثر بالتقلبات الجيوسياسية، خصوصًا مع التوترات في منطقة الخليج ومخاطر تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز.

وأضاف أن الطاقة النووية باتت تُطرح مجددًا كحل انتقالي يضمن أمن الطاقة ويحد من الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد.

وفيما يتعلق بألمانيا وبقية دول الاتحاد الأوروبي، أشار بورديل إلى أن المشهد أكثر تعقيدًا، إذ لا تزال برلين متحفظة بسبب اعتبارات سياسية وبيئية، رغم الضغوط الاقتصادية الناتجة عن أزمات الطاقة المتلاحقة.

ومع ذلك، أكد أن النقاش حول إعادة تشغيل بعض المحطات أو تأجيل إغلاقها عاد بقوة داخل الأوساط السياسية والاقتصادية، وهو ما يعكس تحولًا تدريجيًا في المواقف.

وعلى مستوى الاتحاد الأوروبي، رجّح الخبير أن تشهد المرحلة المقبلة توجهًا نحو مزيج طاقي أكثر توازنًا، يجمع بين الطاقة النووية والطاقات المتجددة، مع إدراك متزايد بأن تحقيق الاستقلال الطاقي يتطلب تنويع المصادر، وليس الاعتماد على خيار واحد فقط.

وأضاف: «نحن أمام لحظة مفصلية، حيث قد نشهد إعادة إحياء للنقاش النووي في ألمانيا، وربما مراجعة لبعض السياسات السابقة تحت ضغط الواقع الاقتصادي».

وأكد أن الاتحاد الأوروبي ككل بات يدرك أهمية تنويع مصادر الطاقة، موضحًا أن «الاعتماد المفرط على مصادر تقليدية معرضة للمخاطر الجيوسياسية لم يعد خيارًا آمنًا، خاصة في ظل الأزمات المتلاحقة، من الحرب في أوكرانيا إلى التوترات في الشرق الأوسط».

وأضاف: «الطاقة النووية لا تمثل حلًا دائمًا لكل التحديات، لكنها تشكل خيارًا انتقاليًا مهمًا يمكن أن يسهم في تحقيق الاستقرار، إلى جانب الاستثمار في الطاقات المتجددة مثل الرياح والطاقة الشمسية».

وأشار بورديل إلى أن «هناك مؤشرات على عودة الاهتمام، سواء من حيث الاستثمارات أو السياسات الحكومية، خاصة في فرنسا التي تخطط لبناء مفاعلات جديدة، بالإضافة إلى توجه بعض الدول الأوروبية نحو إدراج الطاقة النووية ضمن تصنيفات الطاقة النظيفة».

كما أكد أن «أزمة الطاقة الحالية، المرتبطة بالتوترات في مضيق هرمز، قد تكون نقطة تحول تدفع أوروبا نحو إعادة صياغة استراتيجيتها الطاقية بشكل أكثر استقلالية ومرونة، وهو ما قد ينعكس في عودة قوية للطاقة النووية خلال السنوات المقبلة».

aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA= جزيرة ام اند امز NL

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى