تقنية

معركة البقاء في COP15.. خبيران دوليان يفكّكان شيفرة حماية الأنواع المهاجرة


يناقش CMS COP15 التقدم المحرز في اتفاقية حفظ أنواع الحيوانات البرية المهاجرة؛ فما المنتظر؟

انطلقت الدورة الخامسة عشرة من مؤتمر الأطراف لاتفاقية حفظ أنواع الحيوانات البرية المهاجرة (CMS COP15) في مدينة كامبو غراندي بالبرازيل يوم 23 مارس/آذار، وتستمر حتى 29 من الشهر نفسه، برئاسة جواو باولو كابوبيانكو (João Paulo Capobianco)، الأمين التنفيذي لوزارة البيئة والتغير المناخي في البرازيل، لمناقشة تطورات حماية الأنواع المهاجرة عبر الحدود.

ويأتي المؤتمر في ظل تصاعد التحديات البيئية التي تهدد هذه الأنواع، حيث تواجه فقدان الموائل والصيد الجائر والتجارة غير المشروعة، إلى جانب تداعيات تغير المناخ والاحتباس الحراري، ما يؤثر بشكل مباشر على دورة حياتها الطبيعية.

وفي هذا الصدد، يقول الدكتور “كولمان أكريودين” (Colman O’Criodain)، رئيس السياسات، وممارسة التنوع البيولوجي، في الصندوق العالمي للطبيعة (WWF) لـ “العين الإخبارية”: “يُعد فقدان الموائل هو العامل الرئيسي في انخفاض أعداد الأنواع المهاجرة؛ نتيجة نقص تغطية المناطق المحمية وعدم كفاية إدارة العديد من المناطق المحمية القائمة”.

ويُضيف: “كما يجب أن نأخذ في الحسبان عاملًا آخر، وهو المنافسة مع الأنواع الغازية الدخيلة. بالإضافة إلى الاستغلال المباشر غير المستدام، سواءً كان مدفوعًا بالطلب المحلي -كما هو الحال غالبًا- أو بالطلب في التجارة الدولية”.

كل ذلك أدى إلى تراجع هائل وواضح في أعداد الأنواع المهاجرة، وهناك بعضها قاب قوسين أو أدنى من حافة الانقراض، حيث اللا عودة لتلك الأنواع الفريدة. والأنواع المهاجرة، هي الكائنات الحية التي تتحرك بانتظام عبر الحدود الدولية، ما يعني أنها تمر في أثناء رحلتها على عدة دول؛ وذلك بحثًا عن الغذاء أو التكاثر أو للهروب من الظروف الطقسية القاسية، وتشمل تلك الأنواع المهاجرة: الطيور والأسماء والثدييات وبعض الزواحف.

لذلك، ظهرت الحاجة الماسة لتعزيز التآزر الدولي من خلال العمل المنسق لحماية الأنواع المهاجرة؛ فتنطلق دورات مؤتمر الأطراف اتفاقية حفظ أنواع الحيوانات البرية المهاجرة؛ ففي النهاية، تلك الأنواع تهاجر بدافع غريزة الهجرة التي تطورت داخلها منذ ملايين السنين بصورة طبيعية، حتى تدخل الإنسان؛ فأفسد عليها مسارها.

تاريخيًا

كان مؤتمر ستوكهولم عام 1972 بمثابة أول تجمع عالمي لمناقشة قضايا البيئة، والاعتراف بأنّ المشكلات البيئية مؤثرة عالميًا، ومن تلك النقطة، بدأت الأحاديث حول مختلف المشكلات البيئية مثل فقدان التنوع البيولوجي والأراضي الرطبة وتغير المناخ وزحف الجفاف والتصحر وأيضًا التحديات التي تواجه الأنواع المهاجرة. وأخيرًا اعتُمدت “اتفاقية حفظ أنواع الحيوانات البرية المهاجرة” (CMS) في مدينة بون الألمانية في يونيو/حزيران عام 1979، ومن هذا المنطلق؛ فإنها تُسمى “اتفاقية بون”، ودخلت الاتفاقية حيز التنفيذ رسميًا في نوفمبر/تشرين الثاني للعام 1983، ووصل عدد الأطراف الموقعين عليها في مارس/آذار 2022 إلى 133 طرفًا.

ويجدر بالذكر أنّ هناك ملحقين للاتفاقية:

  1. الملحق الأول: ويتضمن الأنواع المهددة بالانقراض والتي تتطلب حماية صارمة.
  2. الملحق الثاني: وهو يشمل الأنواع التي تحتاج إلى تعاون دولي.

وتُعد مؤتمرات الأطراف هي الهيئة الإدارية للاتفاقية، وتجتمع الأطراف مرة كل 3 سنوات؛ لتقييم التقدم المحرز وإجراء التعديلات في ملاحق الاتفاقية ومناقشة أولويات الحماية، واتخاذ الإجراءات اللازمة للحد من ظاهرة فقدان الأنواع المهاجرة ودعمها.

وخلال الفترة بين الاجتماعات، تتولى اللجنة الدائمة مهام مثل مراقبة الميزانية وتقديم التوجيهات للأمانة العامة؛ إذ تعمل اللجنة الدائمة نيابةً عن المؤتمر. وتُعد الاتفاقية أداة رئيسية مهمة لتعزيز تحقيق الأهداف الدولية للتنوع البيولوجي، بما في ذلك “إطار كونمينغ-مونتريال العالمي للتنوع البيولوجي”.

وقد ساهمت الاتفاقية بالفعل في تحقيق إنجازات ملحوظة، تجلت في إبرام نحو 7 اتفاقيات ملزمة و19 مذكرة تفاهم و5 مبادرات، كما ساعدت في تعافي ظباء السايغا التي تعيش في آسيا الوسطى، وكذلك فقمة الراهب المتوسطية في شرق المحيط الأطلسي والتي عانت من انخفاض أعدادها بصورة ملحوظة خلال القرن العشرين. من جانب آخر، تجلى الانخفاض الملحوظ في الصيد الجائر غير القانوني للطيور المهاجرة في قبرص وناغالند بالهند.

أبرز أهداف CMS COP15

تجتمع الأطراف هذا العام في مدينة كامبو غراندي، ماتو غروسو دو سول، في البرازيل والتي تضم أكبر سهل فيضي عابر للحدود، وهي من أكثر المناطق تنوعًا بيولوجيًا في العالم، تحت شعار “ربط الطبيعة للحفاظ على الحياة” (Connecting Nature to Sustain Life)، ويُركز المؤتمر هذا العام على أهمية الاتصال البيئي ودعم حماية الأنواع المهاجرة وموائلها. وتنظر الأطراف في عدة قضايا مهمة، أبرزها:

1- إطلاق المبادرة العالمية بشأن أخذ الأنواع المهاجرة

وتُعد “المبادرة العالمية بشأن أخذ الأنواع المهاجرة” (Global Initiative on Taking of Migratory Species – GTI) أحد أهم المبادرات التي تهدف إلى التعامل مع مشكلة تراجع أعداد الأنواع المهاجرة من خلال تحسين نظم المراقبة وتعزيز الرقابة القانونية وإشراك المجتمعات المحلية في الإدارة المستدامة ووضع إرشادات وأُطر عمل للممارسات المناسبة، ومن أبرز أهداف CMS COP15، إطلاق تلك المبادرة؛ للتصدي للصيد الجائر وغير القانوني للأنواع المهاجرة والتركيز على الدوافع لدى السكان المحليين لفهم ذلك ومحركات الاستغلال.

2- متابعة خطة سمرقند الاستراتيجية لأنواع الهجرة

استضافت مدينة سمرقند في أوزباكستان، CMS COP14 في فبراير/شباط 2024، وأطلقت “خطة سمرقند الاستراتيجية لأنواع الهجرة” (Samarkand Strategic Plan for Migratory Species 2024–2032)، والتي تهدف إلى توجيه جهود الحفاظ على الأنواع المهاجرة عالميًا في الفترة ما بين 2024 إلى 2032، بحيث لا تتراجع أعدادها وتبقى بيئاتها الطبيعية محمية.

3- التعدين في أعماق البحار

يؤثر التعدين في أعماق البحار على بعض الأنواع المهاجرة، وهناك بعض الموضوعات ذات الصلة التي تناقشها الدول الأطراف خلال CMS COP15 في هذا الصدد، لعل أهمها إدراج قرارات واضحة وصريحة حول التعدين في أعماق البحار والاعتماد على الأسس العلمية السليمة في توجيه عمليات التعدين، باعتبار الموائل البحرية العميقة مهمة في دورة حياة الأنواع المهاجرة.

4- مشروع أطلس هجرة الحيوانات

أشار النص الختامي لـ CMS COP14 في سمرقند إلى ضرورة عمل الأطراف على تطوير مشروع أطلس هجرة الحيوانات (Atlas on Animal Migration)، باعتباره أداة علمية لدعم حماية الأنواع المهاجرة، واستخدامه في وضع السياسات وإدارة التنوع البيولوجي واتخاذ القرارات، كما شجع المجلس العلمي لتقديم المشورة من أجل تحديث الوحدات الحالية في الأطلس وتطوير وحدات إضافية وتعزيز إمكانية استخدامه، وتسلط كل وحدة الضوء على مسارات وأنماط هجرة مجموعات محددة؛ فعلى سبيل المثال، هناك أطلس هجرة الثدييات في آسيا الوسطى وأطلس هجرة الطيور الأوراسية-الأفريقية وأطلس هجرة السلاحف البحرية. لكن يتوسع المشروع الآن نحو أطلس عالمي شامل. ويتابع CMS COP15 التقدم المحرز في إعداد الأطلس.

5- تعديل ملاحق اتفاقية الأنواع المهاجرة

هناك ملحقات للاتفاقية -كما ذكرنا- الملحق الأول والذي يضم الأنواع المهددة بالانقراض وتحتاج إلى حماية صارمة، والملحق الثاني ويشمل أنواعًا تحتاج للتعاون الدولي من أجل حمايتها، وهذا يعني أنّ هناك تدرج في مستوى الحماية؛ أي تقوم الأطراف بتعديل مواضع الأنواع في الملحقات بحسب التطور الحاصل لهما؛ فمثلًا قد يتم نقل نوع ما من الملحق الأول للثاني إذا ثبُت أنّ الخطر قد زال عنه، أو نقل نوع من الملحق الثاني إلى الملحق الأول إذا تناقصت أعداده بصورة تجعله في خطر الانقراض، وقد تُضاف أنواع جديدة إلى تلك الملاحق لم تكن موجودة فيها من قبل إذا احتاجت حماية دولية بموجب الاتفاقية، وهكذا.

وفي CMS COP15، تنظر الأطراف في 17 مقترح لتعديل قوائم الاتفاقية، وهي تشمل 42 نوعًا من الحيوانات، مثل: البومة الثلجية وغزال بخارى والضبع المخطط.

ويقول الدكتور “كولمان أكريودين”؛ لـ”العين الإخبارية”: “يبحث هذا CMS COP15 في سُبل تحسين الاتصال بين المواقع الرئيسية للأنواع المهاجرة، كما يناقش سُبل الحد من الصيد غير المستدام والصيد غير القانوني للأنواع المدرجة في الملحق الأول من الاتفاقية والتي يُعد صيدها والاتجار بها غير قانوني، باستثناءات محدودة للغاية”.

تناغم مع الأراضي الرطبة

ويحمل اختيار رئاسة المؤتمر لمدينة كامبو غراندي إشارة رمزية؛ إذ تقع تلك المدينة عند مدخل بانتانال (Pantanal)، وهي من أكثر المناطق الرطبة تميزًا في العالم، وتمتد إلى دول أخرى في أمريكا اللاتينية في بوليفيا والباراغواي، وبالفعل أشارت السيدة “مارينا سيلفا”، وزيرة البيئة وتغير المناخ في البرازيل إلى أهمية استضافة CMS COP15 في تلك المنطقة التي تُعد موطنًا للعديد من الأنواع المهاجرة، وأشارت إلى المؤتمر على أنه فرصة “لإحياء العمل متعدد الأطراف”.

ويُوضح “ريتشارد لي” (Richard Lee)، رئيس الاتصالات العالمي في منظمة «ويت لاندز إنترناشونال» (Wetlands International) لـ”العين الإخبارية” أنّ “حماية الأراضي الرطبة وترميمها وترشيد استخدامها من خلال تطبيق اتفاقية الأراضي الرطبة، من شأنه أن يساهم في حماية الأنواع المهاجرة بموجب الاتفاقية”، وهذا يُظهر أهمية تعزيز التناغم بين اتفاقية حفظ أنواع الحيوانات البرية المهاجرة واتفاقية رامسار للأراضي الرطبة.

ويشرح “ريتشارد لي” لـ”العين الإخبارية”؛ قائلًا: “تعتمد آلاف الأنواع من الطيور المائية والأسماك والثدييات المهاجرة على الأنهار والبحيرات والمستنقعات والمسطحات الطينية وأشجار المانغروف وغيرها من بيئات الأراضي الرطبة الصحية على طول مسارات هجرتها”. ويطرح لي مثالًا: “لدينا ممر الهجرة الأفريقي الأوراسي، والذي يُعد أحد ممرات الهجرة العالمية التسعة طويلة المدى، وهو مسار يستخدمه أكثر من 250 نوعًا من الطيور المائية، بدءًا من البجع والفلامنجو وصولًا إلى اللقلق وأبو ملعقة”.

ويرى لي أنّ “تعزيز التعاون لحماية الأنهار الجارية بحرية وإزالة العوائق القائمة على طول مسارات هجرة الأسماك، المعروفة باسم الممرات المائية، مجالًا آخر للتكامل الكبير بين اتفاقية الأراضي الرطبة واتفاقية الأنواع المهاجرة”.

لدينا حلول ولكن..

وعلى الرغم من الاتفاقات الدولية إلا أنّ انخفاض أعداد الأنواع المهاجرة ما زال مستمرًا؛ فقبل انطلاق CMS COP15، خرج تحديث لتقرير حالة الأنواع المهاجرة في العالم، والذي أشار إلى تدهور حالة الأنواع المهاجرة رغم حمايتها بنسبة وصلت إلى 49%، بعد أن بلغت 44% عام 2024، وهذا يعني أنّ التدهور زاد بمعدل 5% كل عامين فقط. بالإضافة إلى زيادة خطر الانقراض بنسبة 24%، وهذا يُشير إلى زيادة معدل الخطر بنسبة 2% مقارنة بالعام 2024. وأكد التقرير على أنّ التدخل البشري عامل مهم في إحداث هذا التدهور.

يوضح الدكتور “كولمان أكريودين” أنّ السبب الأكثر شيوعًا لذلك الانخفاض رغم الاتفاقات الدولية الملزمة هو “أنه مهما كانت صياغة أي اتفاقية دولية قوية، فإن فعاليتها تعتمد على استعداد الدول لتنفيذها بشكل صحيح، حتى بعد توقيعها عليها”، ويتابع: “التدابير المتاحة لمعالجة حالات عدم امتثال الدول قليلة”.

ويطرح سببًا آخر، وهو “نقص الموارد المتاحة للدول الأقل نموًا، والتي غالبًا ما تكون الأكثر تنوعًا بيولوجيًا، لتنفيذ الاتفاقيات الدولية؛ فالموارد المتاحة لهذا الغرض تمثل جزءًا ضئيلًا من التي تُنفق لدعم الأنشطة الضارة، مثل استخراج النفط والغاز وتحويل الأراضي للزراعة المكثفة والصيد الصناعي واسع النطاق، وما إلى ذلك”.

أما “ريتشارد لي”؛ فيؤكد على أننا “بحاجة إلى تعاون دولي أقوى وبذل جهود وطنية واستثمارات فعّالة لحماية الأراضي الرطبة الحيوية وترميمها وربطها على طول ممرات الهجرة”. ويُضيف للعين الإخبارية: “لا يقتصر الحفاظ على تلك الأراضي الرطبة على كونها ضرورية للطيور وتحقق أهداف التنوع البيولوجي العالمي فحسب، لكنها أيضًا حيوية للشعوب التي تعتمد على الأراضي الرطبة في توفير المياه وسُبل العيش والغذاء”.

ويختتم لي حديثه لـ “العين الإخبارية” مشجعًا على تحقيق التناغم والتكامل بين اتفاقية الأراضي الرطبة واتفاقية حفظ أنواع الحيوانات البرية المهاجرة؛ معطيًا مثالًا لقرار اعتمدته الدول الأطراف في اتفاقية الأراضي الرطبة في العام الماضي، والذي يُشجع على “اتخاذ إجراءات لتعزيز ترابط النظم الإيكولوجية للمياه العذبة، مثل تدابير استعادة حالة التدفق الحر للأنهار”، وسوف تستفيد الأنواع من ذلك القرار؛ خاصة “أسماك المياه العذبة، والتي تُعد من أكثر الفقاريات عرضة للخطر. لذلك؛ فإنّ التنفيذ المتكامل لهذا القرار مع الإجراءات المتخذة بموجب اتفاقية الأنواع المهاجرة، وفقًا لتوصيات تقرير “التقييم العالمي لأسماك المياه العذبة المهاجرة”، يُعدّ ضروريًا للغاية، وسقود إلى فوائد مباشرة وفورية”.

aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA= جزيرة ام اند امز NL

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى