بعد تهديدات ترامب.. كل الأعين على «هرمز» الاستراتيجي
قبل ساعات، هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقصف محطات الطاقة الإيرانية إذا لم يتم فتح مضيق هرمز في غضون 48 ساعة.
ومنح الرئيس ترامب مساء السبت إيران مهلة 48 ساعة لفتح المضيق أمام حركة الملاحة مهددا بتدمير بنيتها التحتية للطاقة. وردّت طهران على ذلك بالتهديد باستهداف بنى تحتية رئيسية في المنطقة.
وبهذا التصريح، فإن الجيش الأمريكي قد تجنب حتى الآن قصف محطات الطاقة الإيرانية، معتبرا إياها ثمنا مقابلا إذا ما استمرت إيران في إغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي.. وبهذا التصريح أيضا يبدو أن ترامب قد تخلى عن فكرة نشر أي سفن حربية في المضيق، حيث اقتصرت استجابة الجيش الأمريكي على الضربات الجوية ضد إيران، بما في ذلك قواتها البحرية. فعلى سبيل المثال، في 18 مارس/آذار، أعلن الجيش الأمريكي أنه قصف مواقع صواريخ كروز إيرانية مضادة للسفن على طول المضيق.
يشهد مضيق هرمز في الوقت الراهن شللا شبه تام بفعل الحرب في الشرق الأوسط، علما أن نحو خُمس النفط الخام العالمي والغاز الطبيعي المسال يمرّ في الأوضاع العادية في هذا الممر البحري الاستراتيجي.
وقد لاقى نداء حديث من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى دول أخرى، بما في ذلك حلفاء الولايات المتحدة والصين، للمساعدة في تأمين مضيق هرمز عبر إرسال سفن حربية، فتورًا ملحوظًا. ثم صرّح لاحقًا بأن الولايات المتحدة لا تحتاج فعليًا إلى مساعدتهم… فلماذا هذا المضيق هام؟
هرمز الاستراتيجي
يمر عبر المضيق عادة نحو 20% من النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم، وقد أدت الحرب إلى ارتفاع كبير في أسعار الوقود عالميًا. ويقع هذا الممر بين إيران شمالًا وسلطنة عمان والإمارات العربية المتحدة جنوبًا، ويبلغ عرضه نحو 50 كيلومترًا عند المدخل والمخرج، ونحو 33 كيلومترًا عند أضيق نقطة.
ويتمتع المضيق بعمق كافٍ لاستيعاب أكبر ناقلات النفط الخام في العالم، ويُستخدم من قبل كبار منتجي النفط والغاز الطبيعي المسال في الشرق الأوسط، وكذلك عملائهم.
وفي عام 2025، مرّ عبر مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل من النفط والمنتجات النفطية يوميًا، وفقًا لتقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، وهو ما يعادل تجارة طاقة سنوية تقارب 600 مليار دولار.
ولا يأتي النفط من إيران فقط، بل من دول خليجية أخرى مثل العراق والكويت وقطر والسعودية والإمارات العربية المتحدة.
كما يُنقل عبر المضيق نحو 20% من الغاز الطبيعي المسال عالميًا، معظمُه من قطر. ففي عام 2024، صدّرت قطر نحو 9.3 مليار قدم مكعب يوميًا من الغاز الطبيعي المسال عبر المضيق، بينما صدّرت الإمارات نحو 0.7 مليار قدم مكعب يوميًا، وفقًا للحكومة الأمريكية.
ويعبر المضيق عادة نحو 3000 سفينة شهريًا، إلا أن هذا العدد تراجع بشكل كبير مؤخرًا، مع تهديد إيران بمهاجمة ناقلات النفط وسفن أخرى.
استهداف السفن
منذ الأول من آذار/مارس، تعرضت 24 سفينة تجارية من بينها 11 ناقلة نفط لهجمات، أو أبلغت عن حوادث في الخليج أو مضيق هرمز أو خليج عُمان، وفقا لهيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (“يو كاي أم تي أو”).
وتضاف إلى ذلك أربع هجمات استهدفت أنواعا مختلفة من السفن، أعلن الحرس الثوري الإيراني مسؤوليته عنها، لكن لم تؤكدها السلطات الدولية.
ووفقًا لإحصاء أجرته وكالة الأنباء الفرنسية في 18 مارس/آذار، فقد تم استهداف أو إصابة ما لا يقل عن 21 سفينة أو الإبلاغ عن تعرضها لهجمات منذ بداية الحرب.
وبحسب الوكالة، فقد “أصيبت أكثر من 18 سفينة تجارية من جنسيات مختلفة بمقذوفات وصواريخ وزوارق مسيّرة وألغام بحرية”. وأشار التقدير ذاته إلى مقتل ما لا يقل عن ثمانية أشخاص، مع بقاء أربعة في عداد المفقودين.
ونقل تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية عن آرنه لومان راسموسن، كبير المحللين في شركة “غلوبال ريسك مانجمنت” المتخصصة في تقديم رؤى حول أسواق الطاقة، في تصريح لشبكة CBS News، الشريك الأمريكي لـ “بي بي سي”: إنه “يمكن أن تتعرض لهجوم، ولا يمكنك الحصول على تأمين، أو يكون مكلفًا للغاية، لذلك عليك الانتظار حتى تتحسن الأوضاع الأمنية”.
وأضاف راسموسن: “في حين لا يوجد حصار مادي، فإن التهديدات الإيرانية، إلى جانب هجمات الطائرات المسيّرة والصواريخ، تعني أن الناقلات لا تمر عبر المضيق”.
ولا تزال أسعار الطاقة أعلى بكثير من مستوياتها قبل النزاع، حيث ارتفع سعر النفط الخام إلى نحو 100 دولار للبرميل، وفقًا لوكالة رويترز، بزيادة تقارب 70% هذا العام ونحو 50% مقارنة بالعام الماضي.
وتعتمد دول الخليج، بما في ذلك إيران، بشكل كبير على صادرات الطاقة كمصدر رئيسي للدخل. ووفقا لتقرير نشره موقع “ذي كونفرسيشن”، فإنه حتى الإغلاق القصير الأمد لأجزاء من المضيق في فبراير /شباط. 2025 أدى إلى ارتفاع أسعار النفط بنسبة 6%.
تراجُع حركة العبور 95%
كان المضيق يشهد عادة نحو 120 عملية عبور يوميا، لكنّ عددها لم يتجاوز 77 خلال الأسبوعين اللذين أعقبا اندلاع الحرب، بحسب شركة البيانات البحرية “لويدز ليست”.
بين الأول من مارس/آذار و21 منه، قامت سفن تجارية بـ124 عملية عبور فقط، بحسب بيانات شركة “كبلر”، أي بتراجع قدره 95%.
وقامت ناقلات نفط وغاز بـ75 عملية من هذه العمليات، وأبحر معظمها شرقا الى خارج المضيق.
20 ألف بحّار عالق
يبلغ عدد البحّارة العالقين في المنطقة نحو 20 ألفا، إضافة إلى ركاب سفن رحلات سياحية، وعمال موانئ، وفرق العمل البحرية في عرض البحر، وفقا للمنظمة البحرية الدولية.
وتقدّر المنظمة عدد السفن الموجودة راهنا في تلك المنطقة بنحو 3200 على الأقل، ثلثاها “سفن تجارية كبيرة تنشط في مجال التجارة الدولية”.
وقالت شركة الاستشارات البحرية كلاركسونز في 18 مارس/آذار إن 250 ناقلة نفط موجودة حاليا في الخليج، أي ما يشكّل خمسة في المئة من إجمالي الخام المحمول عبر الناقلات عالميا.
ارتفاع سعر وقود السفن 90%
ارتفع سعر وقود السفن بنسبة 90% منذ بداية الحرب، بحسب مرصد الملاحة البحرية “شيب أند بانكر”.
وفق بيانات “كلاركسونز”، تضاعفت كلفة شحن برميل من النفط الخام الى 10 دولارات منذ بدء السنة الجارية.
تداعيات شاملة
وسيؤثر إغلاق المضيق أيضًا بشدة على آسيا، إذ تُقدّر مشتريات الصين وحدها بنحو 90% من النفط الذي تصدره إيران إلى السوق العالمية.
وبما أن الصين تستخدم هذا النفط في تصنيع منتجات تقوم بتصديرها إلى دول أخرى، فإن ارتفاع أسعار النفط قد يؤدي أيضًا إلى زيادة الأسعار بالنسبة للمستهلكين حول العالم.
والغاز الطبيعي المسال هو غاز يتم تحويله إلى سائل، ما يقلل حجمه بنحو 600 مرة لتسهيل نقله، ثم يُعاد تحويله إلى حالته الغازية في وجهته لاستخدامه في التدفئة والطهي وتوليد الطاقة.
كما يُعد مضيق هرمز مسارًا حيويًا لصادرات الأسمدة من الشرق الأوسط، حيث يُستخدم الغاز الطبيعي بكثافة في عملية الإنتاج، ويمر عبره عادة نحو ثلث تجارة الأسمدة العالمية.
وفي الاتجاه المعاكس، يُعد المضيق قناة أساسية لواردات الشرق الأوسط، بما في ذلك الغذاء والأدوية والإمدادات التكنولوجية.
وقد دفع التهديد المستمر بإغلاق المضيق، على مر السنوات، الدول المصدّرة للنفط في منطقة الخليج إلى تطوير طرق برية بديلة.
وتشغّل السعودية خط أنابيب النفط الخام شرق-غرب بطول 1200 كيلومتر، وتبلغ طاقته الاستيعابية ما يصل إلى خمسة ملايين برميل يوميًا، وفقًا للحكومة الأمريكية. كما قامت في السابق بتحويل استخدام خط أنابيب غاز طبيعي بشكل مؤقت لنقل النفط الخام.
ويمكن تحويل مسارات النفط عبر هذه البنية التحتية البديلة لتجاوز مضيق هرمز، لكن وكالة رويترز تشير إلى أن ذلك سيؤدي إلى انخفاض في الإمدادات يتراوح بين 8 إلى 10 ملايين برميل يوميًا.
aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA= جزيرة ام اند امز



