تقنية

كوبا.. اقتصاد أنهكته واشنطن


اعتبر تقرير نشرته مجلة «الإيكونوميست» البريطانية إن الاقتصاد الضعيف في كوبا جعل البلاد تحت سيطرة واشنطن.

وضرب التقرير مثالاً بدعوة أطلقها “أوسكار بيريز-أوليفا فراجا”، وهو ابن حفيد لفيدل كاسترو، خلال برنامج تلفزيوني حكومي وقال فيها إن الكوبيين الذين يعيشون في الخارج سيُسمح لهم الآن بامتلاك أعمال تجارية والاستثمار في البنية التحتية على الجزيرة.

الدعوة التي قال التقرير إنها لم تستطع أن تصل للجميع، إذ انقطعت الكهرباء بالفعل على مستوى البلاد على الهواء، هي ثاني تنازل كبير من النظام خلال أسابيع قليلة. ففي فبراير/شباط الماضي بدأت الحكومة بهدوء في السماح للشركات الخاصة باستيراد الوقود، منهية احتكار الدولة طويل الأمد.

وتمثل هذه الإصلاحات أهم تحرير اقتصادي منذ أن سمح فيدل كاسترو لأول مرة بمشروعات خاصة محدودة في كوبا في التسعينيات. وقد حدثت بفضل ضغط شديد من الولايات المتحدة. ورغم أن كوبا ليست هدفاً ملحاً لواشنطن كونها تفتقر إلى ثروة النفط مثلاً مثل فنزويلا، أو لديها تهديد نووي كما في إيران. لكن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو وهو ابن منفيين كوبيين، يركزان عليها رغم ذلك.  وكوبا التي تقع على عتبة أمريكا، كان دعمها المستمر للصين وروسيا، والتدفق المستمر للمهاجرين الكوبيين إلى فلوريدا، جعلها منذ زمن طويل تحديًا في السياسة الخارجية. وبالنسبة لـ”روبيو” فالأمر شخصي، بحسب التقرير. 

تصعيد الإجراءات

أدى هذا إلى أزمة طاقة خانقة؛ توقفت واردات النفط تقريبًا، وأُلغيت رحلات جوية، وانهار قطاع السياحة، وأغلقت متاجر، وتراجعت خدمات المستشفيات، وعاشت البلاد في ظلام متكرر. ومع انهيار قيمة العملة، لم يعد الراتب الشهري يكفي إلا لشراء القليل من الغذاء. 

رغم هذه الأوضاع، يظل النظام متماسكًا بفضل شبكة مترابطة من الحزب الشيوعي والجيش والأجهزة الأمنية، التي تسيطر أيضًا على مفاصل الاقتصاد عبر مؤسسات مثل “غايسا”. وتبقى السلطة الفعلية بيد عائلة كاسترو، رغم وجود رئيس رسمي. ومع ذلك، أجبرت الضغوط الأخيرة النظام على الانخراط في محادثات مع الولايات المتحدة، خاصة بعد فقدان الدعم الفنزويلي، ما كشف عن حالة ضعف غير معتادة.

وفي هذا السياق، صعّدت واشنطن إجراءاتها عبر السيطرة على النفط الفنزويلي، الذي كان يمثل شريانًا حيويًا لكوبا، ثم فرضت حصارًا فعليًا على إمدادات الوقود، وضغطت على دول لطرد البعثات الطبية الكوبية، ما حرم النظام من مصادر رئيسية للعملة الأجنبية.

اختلالات هيكلية

وعلى الصعيد الاقتصادي، يعاني النظام من اختلالات هيكلية عميقة. فبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، سمح بقدر محدود من النشاط الخاص، توسع لاحقًا بشكل طفيف، لكنه ظل خاضعًا لقيود شديدة. الاقتصاد الحكومي متدهور، والزراعة شبه منهارة، والصادرات تراجعت بشكل كبير، خصوصًا السكر الذي كان عماد الاقتصاد.

ولا تزال الدولة تسيطر على الأسعار والموارد، وتُسيء إدارتها، بينما أدت طباعة النقود إلى فقدان العملة قيمتها. في 2025، بلغ الدخل الأجنبي نحو 9 مليارات دولار فقط، وهو رقم ضعيف.

استهدفت الاستراتيجية الأمريكية أيضًا مصادر العملة الأجنبية، مثل تصدير الأطباء، حيث تم الضغط على دول لإنهاء هذه البرامج. كما أدى نقص الوقود إلى شلل قطاعات أخرى مثل التعدين، ما زاد من تدهور الوضع. ولم يتبقَ سوى تحويلات المغتربين كمصدر مهم للعملة.

في ظل هذه الظروف، تطرح مفاوضات محتملة بين كوبا والولايات المتحدة، تشمل فتح قطاعات مثل الطاقة والسياحة أمام الشركات الأمريكية، مقابل إصلاحات اقتصادية أوسع داخل كوبا. لكن هذه العملية معقدة، إذ قد تفيد الشركات الكبرى أكثر من القطاع الخاص المحلي، كما أن هناك شكوكًا في التزام النظام بأي تعهدات.

على الصعيد السياسي، لا يبدو أن واشنطن تسعى لتغيير جذري في النظام بقدر ما تريد تعديلات شكلية، وربما تغيير القيادة دون المساس بالبنية الحقيقية للسلطة. كما لا توجد مطالب واضحة بالديمقراطية، ما يثير تساؤلات حول طبيعة التغيير المتوقع.

ومع الوقت، يظل مستقبل كوبا غير واضح. فبينما تمتلك الولايات المتحدة أدوات ضغط قوية، لا يُعرف ما إذا كانت ستؤدي إلى تحول حقيقي. وقد يحاول النظام كسب الوقت بانتظار تغير الظروف السياسية في واشنطن، لكن عمق الأزمة الاقتصادية يجعل هذا الرهان محفوفًا بالمخاطر.

aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA= جزيرة ام اند امز NL

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى