في خضم حرب إيران.. أوروبا تبحث عن مخارج من أزمة طاقة محتملة
أكد الخبير الاقتصادي الفرنسي المتخصص في شؤون الطاقة جون ميشيل جلاشان، أن أزمة أسعار الطاقة الحالية في أوروبا تكشف مرة أخرى هشاشة اعتماد القارة على واردات الوقود الأحفوري من الخارج.
وشدد على أن الحرب في الشرق الأوسط أعادت إلى الواجهة التحديات الاستراتيجية التي تواجه أمن الطاقة الأوروبي.
وأوضح مدير مركز مدرسة فلورنسا للتنظيم، والمتخصص في سياسات الطاقة، في تصريحات لـ”العين الإخبارية” أن الاتحاد الأوروبي يملك بالفعل مجموعة من البدائل، لكنها تتطلب قرارات سياسية سريعة وتنسيقاً أكبر بين الدول الأعضاء لتجنب صدمة طاقة جديدة تشبه ما حدث بعد الحرب في أوكرانيا.
احتواء ارتفاع فاتورة الطاقة
وناقش وزراء الطاقة في دول الاتحاد الأوروبي، الإثنين، سبل الحد من تأثير الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة الناجم عن الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، في وقت يدخل فيه الصراع أسبوعه الثالث.
ويعتمد الاتحاد الأوروبي بدرجة كبيرة على واردات النفط والغاز، ما يجعل دوله السبع والعشرين شديدة التأثر بتقلبات الأسعار العالمية للطاقة. ولهذا السبب يشكك بعض المسؤولين والمحللين في قدرة أوروبا على إيجاد حلول سريعة للأزمة.
بدائل وخيارات
ورأى جلاشان أن الاتحاد الأوروبي يمتلك عدة خيارات واقعية لمواجهة ارتفاع الأسعار، لكن نجاحها يعتمد على سرعة التنفيذ والتنسيق بين الدول الأعضاء.
وقال جلاشان إن الأزمة الحالية ليست مجرد أزمة أسعار مؤقتة، بل اختبار حقيقي لاستراتيجية أمن الطاقة الأوروبية.
تنويع مصادر الغاز
وأشاور الخبير الفرنسي إلى أن أهم خطوة قامت بها أوروبا منذ أزمة أوكرانيا هي تنويع مصادر الغاز، حيث ارتفعت واردات الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة وقطر والنرويج.
لكن هذا التنويع، رغم أهميته، لا يكفي وحده. فالسوق العالمية للغاز المسال شديدة التنافسية، وقد تضطر أوروبا إلى دفع أسعار أعلى إذا زاد الطلب الآسيوي.
تسريع استثمارات الطاقة المتجددة
وأكد جلاشان أن الحل الأكثر استدامة يتمثل في تسريع الاستثمار في الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
فكل ميغاواط إضافي من الكهرباء المنتجة من مصادر متجددة يعني تقليل الاعتماد على الغاز المستورد، وهو ما يخفف من تقلبات الأسعار.
ويرى أن أوروبا قطعت شوطاً مهماً في هذا المجال، لكن وتيرة التنفيذ ما زالت أبطأ من المطلوب بسبب التعقيدات التنظيمية وبطء إصدار التراخيص.
إصلاح سوق الكهرباء الأوروبية
وأشار الخبير الفرنسي إلى أن نظام تسعير الكهرباء في أوروبا، الذي يربط سعر الكهرباء بسعر آخر محطة إنتاج (غالباً محطات الغاز)، يؤدي إلى ارتفاع الأسعار حتى عندما تكون معظم الكهرباء منتجة من مصادر أرخص مثل الطاقة النووية أو المتجددة، ولهذا يدعو إلى إصلاح تدريجي لآلية التسعير بحيث تعكس الأسعار بشكل أفضل التكلفة الفعلية لمزيج الطاقة.
تحسين كفاءة الطاقة
وأكد جلاشان أن خفض الاستهلاك لا يقل أهمية عن زيادة الإنتاج.
فالمباني الأوروبية تستهلك جزءاً كبيراً من الطاقة للتدفئة، ولذلك فإن الاستثمار في عزل المباني وتحسين كفاءة الأجهزة يمكن أن يقلل الطلب بشكل كبير ويخفف الضغط على الأسعار.
بناء سوق طاقة أوروبية أكثر تكاملاً
وتابع الخبير الفرنسي إن الحل النهائي يكمن في تعميق التكامل الطاقي داخل الاتحاد الأوروبي، من خلال تطوير شبكات الكهرباء والغاز العابرة للحدود، موضحاً أنه كلما زادت قدرة الدول الأوروبية على تبادل الطاقة فيما بينها، أصبحت القارة أكثر قدرة على مواجهة الأزمات وتقلبات السوق العالمية.
وأضاف: “أوروبا لا تعاني نقصاً في الحلول، بل تعاني بطء اتخاذ القرار. وإذا أرادت حماية اقتصادها من صدمات الطاقة، فعليها التحرك بسرعة أكبر”.
إجراءات طارئة قيد الدراسة
بحسب مسؤولين أوروبيين، تعمل المفوضية الأوروبية حالياً على إعداد حزمة إجراءات طارئة تشمل دراسة تقديم مساعدات حكومية للصناعات الأكثر تضرراً من ارتفاع الأسعار، وخفض الضرائب الوطنية على الطاقة في بعض الدول، بحسب موقع “بورصة راما” الاقتصادي الفرنسي.
كما تتضمن استخدام المراجعة المقبلة لسوق الكربون الأوروبية لزيادة المعروض من حصص الانبعاثات، ما قد يؤدي إلى خفض أسعار الكربون وبالتالي تقليل كلفة الكهرباء.
المفوضية الأوروبية: الإمدادات مؤمّنة
قال مفوض الطاقة الأوروبي دان جورجنسين للصحفيين قبل اجتماع الوزراء: “نحن نمر حالياً بأزمة أسعار”، موضحاً أن إمدادات النفط والغاز إلى أوروبا ما زالت مستقرة، إذ يأتي الجزء الأكبر منها من الولايات المتحدة والنرويج وموردين آخرين.
وأضاف أن بروكسل تعمل على إجراءات “محددة وقصيرة المدى” لتخفيف الضغط على الأسعار، من دون اللجوء إلى إعادة تصميم سوق الكهرباء الأوروبية بالكامل، رغم أن بعض الحكومات اقترحت دراسة هذا الخيار.
رفض العودة إلى الغاز الروسي
في هذا السياق، استبعدت دول مثل ألمانيا ورومانيا والسويد العودة إلى الغاز الروسي كوسيلة لخفض التكاليف، رغم مطالبة المجر برفع العقوبات عن الطاقة الروسية.
وقالت وزيرة الطاقة الألمانية كاترينا ريتشي :”العودة إلى الغاز الروسي تعني العودة إلى حالة من انعدام الأمن الكامل، كما تعني دعم دولة تشن الحرب. وهذا أمر غير وارد”.
وضع سقف لأسعار الغاز
من جانبها، قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إن بروكسل تدرس أيضاً فرض سقف لأسعار الغاز، وقد طُرح هذا الإجراء لأول مرة منذ بداية الحرب الروسية-الأوكرانية عام 2022، لكنه لم يُطبق فعلياً حتى الآن.
غير أن بعض الدول الأوروبية تخشى أن يؤدي تحديد سقف للأسعار إلى تقليص قدرة أوروبا على شراء الغاز من الأسواق العالمية إذا ارتفعت الأسعار بشكل كبير خلال الأزمات.
ومن المتوقع أن ترسل فون دير لاين هذا الأسبوع إلى قادة الاتحاد الأوروبي قائمة محدودة من الخيارات الطارئة، قبل قمة أوروبية مرتقبة الخميس.
دور مضيق هرمز في الأزمة
أشار وزير الخارجية الدنماركي، لارس لوكي راسموسين إلى أن على الاتحاد الأوروبي المساهمة في ضمان حرية الملاحة البحرية في مضيق هرمز، لضمان استمرار تدفق النفط إلى الأسواق العالمية.
ويمر عبر هذا المضيق نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية، وقد أغلقت إيران المضيق فعلياً رداً على الضربات الأمريكية والإسرائيلية. وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد دعا حلفاءه إلى تشكيل تحالف عسكري لحماية الملاحة في المنطقة.
الحكومات الأوروبية تحت ضغط
ارتفعت أسعار الغاز المرجعية في أوروبا بأكثر من 50% منذ اندلاع الحرب في إيران الشهر الماضي، ما وضع الحكومات الأوروبية تحت ضغط سياسي واقتصادي متزايد.
وتطالب بعض الدول، مثل إيطاليا، بتدخل أوروبي قوي، بما في ذلك تعليق نظام تداول حصص الكربون الأوروبي الذي يؤثر في أسعار الكهرباء.
لكن بولندا، التي كانت من أشد منتقدي هذا النظام، اتخذت موقفاً أكثر حذراً هذه المرة.
وقال وزير الطاقة البولندي فويتشيخ فروخنا: “الأسواق والمستثمرون يحتاجون إلى الاستقرار، ولا يمكننا تعليق القواعد بين ليلة وضحاها”.
خطر اتساع الفجوة بين دول الاتحاد
ويتوقع بعض المسؤولين أن تركز بروكسل على خفض الضرائب أو تقديم دعم وطني للطاقة، وهو ما يعني أن العبء الأكبر سيقع على الدول الأعضاء نفسها.
لكن هذا الخيار قد يؤدي إلى زيادة الفوارق الاقتصادية داخل الاتحاد الأوروبي بين الدول الغنية والفقيرة.
خلال أزمة الطاقة عام 2022، أنفقت الحكومات الأوروبية أكثر من 500 مليار يورو لدعم المستهلكين والشركات، منها 158 مليار يورو من ألمانيا وحدها، بحسب مركز الأبحاث “بروجيل”.
أسباب هيكلية لارتفاع الأسعار
قالت جوانا بانديرا، مديرة مركز الأبحاث البولندي فوروم إنرجي، إن اختلاف مزيج الطاقة والضرائب بين الدول الأوروبية يؤدي إلى تفاوت كبير في أسعار الطاقة داخل الاتحاد.
وأضافت: “هناك أسباب هيكلية تجعل أسعار الطاقة مرتفعة في أوروبا”.
تسريع التحول الطاقي
من جهته، قال سايمون ستيل، الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، إن اضطرابات أسواق الطاقة نتيجة الحرب في إيران تذكّر العالم بمخاطر الاعتماد على الوقود الأحفوري.
aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA= جزيرة ام اند امز



