أوروبا أمام صدمة اقتصادية جديدة.. خبير فرنسي يحذر من عودة سيناريو 2022
أكد الخبير الاقتصادي الفرنسي، جون بيساني فيري، أن التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الطاقة قد يدفعان أوروبا إلى مرحلة اقتصادية أكثر هشاشة، خاصة إذا استمرت أسعار النفط والغاز في مستويات مرتفعة لفترة طويلة.
وأضاف أستاذ الاقتصاد وكبير الباحثين في معهد العلوم السياسية في مركز بروغل في بروكسل، لـ”العين الإخبارية” أن الاقتصاد الأوروبي يعيش بالفعل مرحلة دقيقة بين تباطؤ النمو ومخاطر عودة التضخم، مشيرًا إلى أن الصدمة الجديدة في أسعار الطاقة قد تعيد السيناريو الذي شهدته أوروبا بعد اندلاع الحرب الروسية-الأوكرانية في عام 2022.
وأوضح أن أوروبا تعتمد بدرجة كبيرة على واردات الطاقة، مما يجعلها أكثر حساسية لتقلبات الأسواق العالمية مقارنة باقتصادات كبرى أخرى مثل الولايات المتحدة.
وأكد أن أي ارتفاع حاد في أسعار النفط، مثل ما يحدث حاليًا مع صعود خام برنت، يؤدي سريعًا إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، وهو ما ينعكس مباشرة على الأسعار في مختلف القطاعات الاقتصادية.
وأشار بيساني فيري إلى أن التأثير لا يقتصر على التضخم فقط، بل يمتد إلى أسواق المال والديون السيادية، إذ مع ارتفاع توقعات التضخم يطالب المستثمرون بعوائد أعلى على السندات الحكومية، مما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض بالنسبة للدول الأوروبية، ويضع ضغوطًا إضافية على اقتصادات تعاني أصلًا من مستويات دين مرتفعة، مثل إيطاليا وفرنسا.
وأكد أن أسواق السندات الأوروبية بدأت بالفعل تعكس هذه المخاوف، حيث ارتفعت عوائد السندات الألمانية المعروفة باسم “بوند”، والتي تُعد المرجع الأساسي في منطقة اليورو، ولفت إلى أن ارتفاع العوائد حتى على هذه الأصول التقليديًا الملاذ الآمن يدل على حجم القلق في الأسواق بشأن استمرار الضغوط التضخمية.
وأضاف أن الصناعات الأوروبية ستكون من أكثر القطاعات تأثرًا في حال استمرار ارتفاع أسعار الطاقة، خاصة الصناعات الثقيلة مثل الكيميائيات والصلب والسيارات، التي تعتمد بشكل كبير على الوقود الأحفوري. وأوضح أن التجربة التي عاشتها ألمانيا خلال أزمة الطاقة بعد الحرب في أوكرانيا أظهرت مدى هشاشة بعض القطاعات الصناعية أمام الصدمات الخارجية في أسعار الطاقة.
وتابع بيساني فيري أن التحدي الأكبر أمام صناع القرار في أوروبا يتمثل في تحقيق توازن دقيق بين كبح التضخم ودعم النمو الاقتصادي، فرفع أسعار الفائدة بشكل كبير قد يساعد في السيطرة على التضخم، لكنه قد يؤدي أيضًا إلى تباطؤ اقتصادي أعمق.
ولم تسلم أسواق الديون من تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، إذ أدى الارتفاع الحاد في أسعار النفط إلى اضطراب الأسواق المالية، مما أثار مخاوف من موجة تضخم جديدة. ونتيجة لذلك، شهدت أسعار الفائدة على الديون السيادية الأوروبية ارتفاعًا ملحوظًا خلال الأيام الأخيرة.
وخلال 14 يوما فقط، قفز سعر خام برنت القياسي من نحو 70 دولارًا للبرميل إلى ما يقارب 100 دولار، بعدما بلغ ذروة بلغت 120 دولارًا مطلع الأسبوع، بحسب موقع “بورصة راما” الاقتصادي الفرنسي.
ونقلت المحللة إيبك أوزكارديسكي عن “سويسكوت” قولها إن “التهديد الرئيسي للاقتصادات الأوروبية يأتي حاليًا من أسعار الطاقة، وأسواق السندات تتفاعل بسرعة مع هذا العامل المرتبط بمخاطر الطاقة”.
وأوضحت مديرة الأبحاث لدى “إكس تي بي”، كاتلين بروكس، أن “الارتفاع الحاد في أسعار النفط ينعكس فورًا على معدلات التضخم، وعندما ترتفع الأسعار يطالب المستثمرون بعوائد أعلى على السندات الحكومية لمواصلة الاستثمار فيها، ما يؤدي إلى ارتفاع أسعار الفائدة على الديون السيادية”.
سجل العائد على السندات الألمانية لأجل عشر سنوات نحو 2.94% الخميس، وهو أعلى مستوى منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، مقارنة بنحو 2.64% قبل اندلاع الحرب.
وأكد خبير استراتيجيات الأسواق لدى “تيكميل غروب”، باتريك مونيلي، أن “ارتفاع عوائد السندات الألمانية يُظهر أن حتى الأصول التي تُعد تقليديًا ملاذات آمنة تتأثر بالمخاوف المرتبطة باستمرار التضخم”.
ومنذ اندلاع الحرب في إيران، بقيت السندات الألمانية أقل تأثرًا مقارنة بنظيراتها الأوروبية، غير أن ارتفاع أسعار الطاقة عزز المخاوف من التضخم حتى في اقتصادات قوية مثل ألمانيا. وأشارت إيبك أوزكارديسكي إلى أن الطاقة مرتفعة التكلفة تعد “خبرًا سيئًا للعديد من القطاعات، وعلى رأسها الصناعة”، مشددة على أهمية الوقود الأحفوري في تكاليف الإنتاج.
ارتفع العائد على السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات إلى 3.59% الخميس، مقارنة بـ3.22% قبل اندلاع الحرب، بعدما تجاوز 3.63% الإثنين، وهو أعلى مستوى منذ نهاية 2011. أما في إيطاليا فبلغ العائد على السندات لأجل 10 سنوات نحو 3.70%، مقابل 3.27% في نهاية فبراير/شباط. وخارج الاتحاد الأوروبي، وصل العائد على السندات البريطانية لأجل 10 سنوات إلى 4.73%، مقارنة بـ4.23% قبل اندلاع النزاع.
أعادت هذه التوترات إلى الأذهان صدمة التضخم التي أعقبت الحرب في أوكرانيا مطلع عام 2022. وأشار رئيس استراتيجية الأسواق المتقدمة في “معهد أموندي للاستثمارات”، جاي ستير، إلى أن الأيام الأخيرة شهدت تعليقات تميل إلى التشدد النقدي بشأن كيفية رد فعل البنوك المركزية.
من جانبها، أكدت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستيان لاغارد، أن البنك سيفعل كل ما هو “ضروري” لضمان بقاء التضخم تحت السيطرة في ظل ارتفاع أسعار الطاقة المرتبط بالحرب في الشرق الأوسط، لكنها امتنعت عن التعليق على احتمال رفع أسعار الفائدة، مشيرة إلى حالة “عدم اليقين المرتفعة”.
في المقابل، حذر محافظ البنك الوطني السلوفاكي وعضو مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي، بيتر كازمير، من أن “رد فعل البنك المركزي الأوروبي قد يكون أقرب مما يعتقد كثيرون”.
ويستحضر صناع القرار النقدي تجربة عام 2022، حين بدأ البنك المركزي الأوروبي رفع أسعار الفائدة في يوليو من ذلك العام لمواجهة أزمة الطاقة والتضخم الناتجين عن الحرب في أوكرانيا، بعد أشهر من تحرك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في مارس 2022.
ومن المقرر أن يعقد البنك المركزي الأوروبي اجتماعه المقبل في 19 مارس/آذار، بعد يوم واحد من اجتماع الاحتياطي الفيدرالي، وسط ترقب الأسواق لأي إشارة بشأن مسار السياسة النقدية في ظل التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة.
aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA=
جزيرة ام اند امز



