مخيم الهول بسوريا.. تفكيك لم ينه «خطر داعش» والتداعيات تتجاوز الحدود
في شمال شرقي سوريا، يقف مخيم الهول شاهدا على أزمة مركبة تتداخل فيها الاعتبارات الإنسانية بالأمنية والسياسية.
فمع سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024، وتراجع الوجود الأمريكي تدريجيًا، وإعادة تشكل موازين القوى الميدانية، تفككت البنية الأمنية التي كانت تضبط هذا الملف الحساس، ليجد نحو 20 ألفًا من قاطني مخيم الهول أنفسهم خارج أي إطار رقابي واضح.
ووفقا لتقرير لمجلة فورين بوليسي، فقد أسهمت عوامل مثل غياب الشفافية، وتضارب الروايات حول ما جرى، وتأخر الاستجابة الدولية، في تفاقم أزمة لا تقتصر تداعياتها على الجانب الإنساني، بل تمتد إلى تهديد أمني متصاعد قد يعيد إحياء شبكات الإرهاب والتطرف في المنطقة وخارجها.
احتجاز بلا أفق منذ 2019
تعود جذور الأزمة إلى عام 2019، عقب انهيار “الخلافة” المزعومة لتنظيم داعش. آنذاك، حيث وجد عشرات الآلاف من النساء والأطفال أنفسهم في مخيمات احتجاز، بينما نُقل نحو 10 آلاف رجل وبعض الفتيان إلى مراكز احتجاز منفصلة، جميعها تحت إدارة قوات سوريا الديمقراطية، وبدعم مباشر من التحالف الدولي ضد داعش.
بلغ عدد سكان مخيم الهول في ذروته نحو 70 ألف نسمة، معظمهم من النساء والأطفال، بينهم سوريون وعراقيون وأجانب من أكثر من 40 دولة. لكن هذه المنظومة ظلت تعمل في ظل غموض قانوني كامل ما بين جهة محلية غير مخولة قانونيًا بمحاكمة الأجانب أو ترحيلهم، ودول ترفض استعادة مواطنيها، وأطفال يُحتجزون فعليًا بسبب أفعال آبائهم.
وعلى مدى سبع سنوات، استمر هذا الوضع دون خطة خروج واضحة، فيما حذّرت منظمات دولية وخبراء من أن استمرار الاحتجاز المفتوح سيقود حتمًا إلى انفجار أمني وإنساني.
فراغ أمني
شكّل سقوط نظام الأسد أواخر عام 2024 نقطة تحول حاسمة. فقد سعت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تسريع الانسحاب من سوريا، وقطعت التمويل عن برامج مكافحة تنظيم داعش، ودعت الأمم المتحدة إلى تولي إدارة مخيمي الهول وروج، مع الضغط على الحكومة السورية الجديدة لتسلّم الملف.
غير أن عملية الانتقال جاءت في توقيت هش، وافتقرت إلى التخطيط والتنسيق الكافي. ففي 19 يناير/كانون الثاني، تعرض سجن الشدادي لاقتحام أتاح لنحو 200 معتقل الفرار، أُعيد القبض على معظمهم لاحقًا.
وفي اليوم التالي، ومع تقدم الجيش السوري نحو مخيم الهول، انسحبت قوات سوريا الديمقراطية من مواقعها، ما خلق فراغًا أمنيًا لساعات حاسمة.
خلال تلك الفترة، تضاربت المعلومات، فيما نفت القيادة المركزية الأمريكية رصد أي عمليات فرار قبل وصول القوات الحكومية، غير أن مصادر أخرى أشارت إلى أن المئات تمكنوا من مغادرة المخيم وسط الفوضى.
تفكك مخيم الهول
مع غياب خطة واضحة لإدارة المرحلة الانتقالية، تسارعت وتيرة الانهيار. فنقل التحالف الدولي 5700 معتقل من الذكور إلى العراق، بينهم سوريون وعراقيون وأجانب، في خطوة أثارت تعقيدات قانونية كبيرة. لكن نحو 25 ألف شخص بقوا في مخيمي الهول وروج دون استراتيجية معلنة للتعامل معهم.
لاحقًا، أعلنت الحكومة السورية نيتها إغلاق مخيم الهول. إلا أن ما جرى على الأرض لم يكن تفكيكًا منظمًا، بل تفككًا فوضويًا. وجرى تداول مقاطع مصورة لسيارات تدخل وتغادر المخيم دون رقابة واضحة، مع تقارير عن تدمير وثائق رسمية واندلاع اشتباكات داخلية في 11 فبراير/شباط، ما دفع الأمم المتحدة ومنظمات إنسانية إلى تعليق عملياتها مؤقتًا.
وبحلول منتصف فبراير/شباط، تبيّن أن ما يصل إلى 20 ألف شخص قد غادروا المخيم، دون وجود سجل دقيق لمساراتهم أو وجهاتهم.
من هم المفقودون؟
لا يشكل هؤلاء المفقودون كتلة واحدة متجانسة. فبعضهم نساء وأطفال كانوا ضحايا لتنظيم داعش، جرفتهم ظروف الحرب أو وُلدوا في مناطق سيطرته. وبعضهم متطرفون مازالوا يعتنقون أفكارا متطرفة يسعون إلى إعادة إحياء التنظيم. وبين هؤلاء وأولئك، فئات رمادية عاشت سبع سنوات في بيئة مشبعة بالتطرف والعنف.
الأخطر هم الأطفال، الذين نشأوا بين عنف التنظيم أولًا ثم قسوة المخيمات لاحقًا. عشرات الآلاف منهم باتوا مشتتين، ومعرّضين لخطر الاتجار بالبشر أو الاستغلال أو إعادة التجنيد. وهؤلاء يحتاجون إلى برامج دعم نفسي واجتماعي متخصصة، تعترف بوضعهم كضحايا في المقام الأول.
سوريا والعراق
برز تباين واضح بين النهجين السوري والعراقي في التعامل مع العائدين.
في سوريا، تشير التقارير إلى عودة آلاف المواطنين إلى مناطقهم دون وثائق رسمية أو برامج إعادة تأهيل واضحة، ما يثير مخاوف من صعوبات اندماج لاحقة أو فراغ رقابي قد تستغله شبكات متطرفة.
في المقابل، اعتمد العراق برنامجًا رسميًا لإعادة التأهيل والإدماج منذ عام 2021، واستعاد أكثر من 22 ألف مواطن، بينهم 191 شخصًا عادوا الأسبوع الماضي.
كما أعلن المجلس الأعلى للقضاء العراقي عزمه محاكمة أكثر من 5700 معتقل نُقلوا مؤخرًا إلى البلاد. ومع ذلك، تواجه بغداد تحديات جدية تتعلق باكتظاظ السجون وسجل المحاكمات السريعة، ما يثير مخاوف حقوقية، وفق فورين بوليسي.
أما 1200 عراقي رفضوا العودة بسبب مذكرات توقيف، فلا يزال مصيرهم غامضًا، فيما نقلت الحكومة السورية من تبقى من السوريين والعراقيين إلى مخيم “أخترين” في ريف حلب، بدعم من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، تمهيدًا لإعادة دمجهم.
الأجانب ومخيم روج: ملف مفتوح
ولا يزال مخيم روج، الذي يضم نحو ألفي أجنبي بينهم غربيون، تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية. وقد بدأت بعض الدول تستقبل حالات فردية بشكل مفاجئ، حيث أُلقي القبض على امرأة بلجيكية فور عودتها، فيما استعادت ألبانيا امرأة أُخذت إلى سوريا طفلة.
لكن غالبية الدول ما زالت مترددة في استعادة مواطنيها، رغم احتمال عودة بعضهم طوعًا، ما يفرض واقعًا قانونيًا وأمنيًا معقدًا في الأشهر المقبلة.
تداعيات أمنية تتكشف
وبدأت المؤشرات الأمنية بالظهور. فموظفو مخيم الهول السابقون أفادوا بتلقيهم تهديدات من نزلاء سابقين. وفي العراق، حذر جهاز المخابرات من تنامي خلايا تنظيم داعش، مشيرًا إلى ارتفاع عدد المسلحين من ألفين إلى عشرة آلاف خلال عام واحد.
وفي ظل موارد محدودة وتحديات ما بعد الحرب، تواجه سوريا صعوبة في استيعاب مواطنيها العائدين، ناهيك عن التعامل مع العناصر الأكثر تطرفًا.
وبحسب فورين بوليسي، يبقى السؤال الأبرز: ماذا سيحدث لعشرين ألف شخص اختفوا خلال أسابيع قليلة؟
قد يحاول بعضهم العودة بهدوء إلى بلدانهم الأصلية، فيما قد يندمج آخرون في بؤر نزاع جديدة داخل سوريا أو خارجها. أما المتطرفون منهم، فقد يسعون لإعادة تنظيم صفوفهم، مستفيدين من كثرة بؤر التوتر عالميًا.
وفي ظل انشغال المجتمع الدولي بأزمات أخرى، يبدو هذا الملف مهددًا بالتهميش مجددًا. لكن تجربة السنوات الماضية تشير إلى أن إهمال مثل هذه الأزمات لا يؤدي إلى اختفائها، بل إلى عودتها بأشكال أكثر خطورة.
وإذا لم تتوفر إرادة سياسية حقيقية لمعالجة جذور الأزمة – قانونيًا وإنسانيًا وأمنيًا – فقد يجد تنظيم داعش في هذا الفراغ فرصة جديدة لإعادة إنتاج نفسه من بين أنقاض المخيمات.
aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA= جزيرة ام اند امز



