تقنية

الذكاء الاصطناعي يقتحم صناعة إدارة الثروات.. تهديد لدور المستشار المالي


يسارع كبار مديري الثروات في أوروبا إلى الدفاع عن نماذج أعمالهم في مواجهة تطورات الذكاء الاصطناعي، وذلك بعد أن أثار إطلاق أدوات حديثة للتخطيط الضريبي في أمريكا مخاوف من أن يؤدي التحول التكنولوجي إلى استقطاب العملاء بعيدا عن المستشارين التقليديين.

وتراجعت أسهم شركات إدارة الثروات هذا الشهر بعد أن كشفت شركة التكنولوجيا المالية الأمريكية “ألتريوست” عن أحدث منتجاتها المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والتي تساعد المستشارين على وضع استراتيجيات ضريبية للعملاء في غضون دقائق، من خلال تحليل كشوف المرتبات وغيرها من البيانات المالية بسرعة ودقة.

ووفق صحيفة “فايننشال تايمز”، أعاد إطلاق هذه الأداة – القادرة على تحليل سيناريوهات افتراضية مثل تأثير بيع العقارات أو الانتقال إلى التقاعد على الضرائب – إحياء المخاوف من أن تصبح بعض وحدات شركات إدارة الثروات أقل أهمية أو عرضة للتراجع أمام الحلول الرقمية المتقدمة.

هل انتهى دور البشر؟

ودافع مسؤولو شركة “سانت جيمس بليس” وعدد من شركات إدارة الثروات الأخرى، من بينها “شرودرز” و“لومبارد أودير”، عن نماذج أعمالهم في ضوء هذا التهديد، مؤكدين أنهم يعملون على زيادة استخدامهم للذكاء الاصطناعي، باعتباره أداة لتعزيز الكفاءة والإنتاجية، لا بديلاً عن الكوادر البشرية.

وقالوا إنهم قادرون على استقطاب عملاء من منافسين يتبنون الذكاء الاصطناعي بوتيرة أبطأ، مشيرين إلى أن التقنية الحديثة لن تستطيع استبدال الخدمات الشخصية والمتخصصة التي يقدمونها لأصحاب الثروات الطائلة بشكل كامل، خصوصًا في الجوانب التي تتطلب بناء علاقات طويلة الأمد وثقة متبادلة.

وقال الرئيس التنفيذي لشركة “سانت جيمس بليس”، مارك فيتزباتريك، التي تدير أصولًا بقيمة تقارب 220 مليار جنيه استرليني، إن المستشارين الذين لا يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي “قد يُستبدلون بمن يعتمدون عليها”.

وأوضح لصحيفة “فايننشال تايمز” أنه رغم أن الذكاء الاصطناعي قد لا يحل محل البشر بالكامل، فإنه “سيعزز عمل المستشارين بشكل كبير” من خلال رفع مستويات الإنتاجية وتسريع تحليل البيانات واتخاذ القرارات.

وقال المستثمرون إن المجموعات التي تقدّم “إرشادات” و“دعمًا” ماليًا موجّهًا – أي نصائح ومعلومات عامة وليست توصيات فردية تُعد استشارات مالية منظمة – هي الأكثر عرضة للتأثر والتحول في ظل انتشار الأدوات الذكية.

كيف يثق العملاء في الخوارزميات؟

وقال أحد مديري الصناديق: “إن الإرشاد المالي قابل للتغيير الجذري بفضل الذكاء الاصطناعي، ففي نهاية المطاف، تُعد الاستشارات المالية الشاملة عملًا قائمًا على العلاقات الإنسانية، ويجد الأفراد صعوبة في الوثوق بالبشر عند اتخاذ قرارات تتعلق بمبالغ مالية كبيرة، فكيف سيكون الحال إذا تعلق الأمر بالخوارزميات؟”

وقال الرئيس التنفيذي لشركة “شرودرز”، ريتشارد أولدفيلد، المالكة لشركة كازينوف كابيتال المتخصصة في خدمة العملاء من الأفراد، إن استخدام المزيد من أدوات الذكاء الاصطناعي لخدمة العملاء الأثرياء “يساعدنا على أن نكون أكثر كفاءة وفعالية في تقديم الخدمة”.

وأضاف أن مقدمي الاستشارات الأساسية هم الأكثر عرضة للتغير الجذري، لأن الشركات التي تستهدف شريحة “الأثرياء عمومًا” – بدلًا من الأفراد ذوي الثروات الكبيرة واحتياجاتهم الأكثر تعقيدًا – “ستستخدم الذكاء الاصطناعي بالفعل لاستبدال المستشارين في المجالات التي يكون فيها ذلك منطقيًا من الناحية التشغيلية”.

وقال فيتزباتريك إن شركة “سانت جيمس بليس” تُمكّن مستشاريها البالغ عددهم نحو 5000 مستشار من استخدام الذكاء الاصطناعي لتسجيل المحادثات وتحليلها، إضافة إلى إعداد التوصيات للعملاء بطريقة أكثر دقة وسرعة.

وأضاف أن أداة “ChatSJP” الداخلية، الشبيهة بـ“ChatGPT”، تقدم إجابات سريعة ودقيقة على الأسئلة التقنية، ما ساهم في “تحسين جودة الخدمة وتسريع تقديمها”.

ما هي الوفورات المتوقعة؟

وقال رئيس قسم التكنولوجيا في شركة “لومبارد أودير”، جيفري دي ريدر، التي تدير أصولًا بقيمة نحو 223 مليار فرنك سويسري (ما يعادل 288 مليار دولار أمريكي)، إن “كل نشاط بسيط” يقوم به البشر حاليًا – مثل استقطاب العملاء أو معالجة العمليات الإدارية – يمكن استبداله أو على الأقل استكماله عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وأضاف: “أتوقع بوضوح تحقيق وفورات في العمليات الإدارية، فنحن نسرّع تطوير المشاريع، لا سيما في مجالات ‘اعرف عميلك’ والامتثال لقوانين مكافحة غسل الأموال، وهنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعدنا في إنجاز المهام أسرع بما يتراوح بين 20 إلى 50 مرة”.

ويشير تقرير لموقع المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أنه بحلول عام 2027، ستصبح أدوات الاستثمار المدعومة بالذكاء الاصطناعي المصدر الرئيسي للمشورة للمستثمرين الأفراد، ومن المتوقع أن يرتفع استخدامها إلى نحو 80% بحلول عام 2028، وفقًا لتقديرات شركة ديلويت.

ووفق الموقع، فإن هذا التحول جارٍ بالفعل، حيث تقوم شركات مثل “مورغان ستانلي” بدمج الذكاء الاصطناعي في عمليات تقديم المشورة، مستفيدة من أدوات مثل “AI @ Morgan Stanley Debrief”، الذي يعمل كمساعد ذكي خلال اجتماعات العملاء لتحليل الملاحظات وتقديم الدعم الفوري.

هل تصبح المشورة المالية أكثر سهولة؟

وتُعد هذه التطورات بمثابة مرحلة مبكرة لإعادة تعريف مفهوم الكفاءة وتوسيع نطاق الخبرة، فضلًا عن إعادة صياغة تفاعلات العملاء، بما يجعل المشورة المالية أكثر سهولة واستنادًا إلى البيانات من أي وقت مضى.

ولا تزال نماذج اللغة الكبيرة (LLMs) قيد التطوير المستمر، حيث تتوسع لتتجاوز نطاق المستشارين الآليين، لتنتقل من روبوتات محادثة إلى مساعدين ذكيين ثم إلى وكلاء قادرين على تنفيذ مهام متعددة، ما يقلل الفجوة في الوصول إلى المشورة المالية أمام المستثمرين الأفراد.

ويبقى السؤال المحوري: هل تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي توفير مستوى الذكاء العاطفي والتعاطف المطلوب لتمكين المستثمرين من مشاركة معلوماتهم واحتياجاتهم بالطريقة نفسها التي يفعلونها مع مستشاريهم البشريين؟ وهل يمكن للآلات أن تحل محل المستشارين الماليين يومًا ما؟

ويؤكد موقع المنتدى الاقتصادي العالمي أن أنظمة الذكاء الاصطناعي أثبتت قدرتها على تقديم نصائح دقيقة ومتخصصة من خلال معالجة كميات ضخمة من البيانات بسرعة ودقة عاليتين.

فعلى سبيل المثال، أظهرت دراسة حديثة من جامعة كورنيل، باستخدام نموذج GPT-4 من شركة OpenAI الذي يحاكي عملية اتخاذ القرارات الاستثمارية لدى الخبراء، قدرة ملحوظة على تحقيق عوائد استثمارية استثنائية في بعض الاختبارات.

إلى جانب ذلك، من المتوقع أن تُدمج أنظمة تقديم المشورة القائمة على الذكاء الاصطناعي آليات التعاون مع الخبراء البشريين ضمن عملياتها التشغيلية، بما يعزز مصداقية الأنظمة الهجينة التي تجمع بين الخبرة الإنسانية وقوة التحليل الآلي.

aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA= جزيرة ام اند امز NL

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى