مفارقة خطيرة.. حماية الأوزون أنتجت ملوثات أبدية لا تختفي
يوصف وقف تدهور طبقة الأوزون، بأنه أحد أبرز قصص النجاح البيئية التي تكاتف فيها العالم لتحقيق انجاز ملموس.
ويبدو أن هذا النجاح كانت له آثار جانبية بدأت تتكشف مؤخرا، كان بطلها مادة “حمض ثلاثي فلورو الأسيتيك “، وهو واحد من “المواد الكيميائية الأبدية”، التي لا تتحلل بسهولة وتبقى في البيئة لعقود طويلة.
وانطلقت خطة حماية الأوزون من ايجاد بدائل لمركبات ” الكلوروفلوروكربونات”، التي تم تصنيعها لأول مرة في ثلاثينيات القرن الماضي، واعتُبرت حينها “مثالية” لأنها غير سامة للإنسان، عديمة الرائحة، غير قابلة للاشتعال، ومستقرة جدا كيميائا، وكانت تستخدم على نطاق واسع في أجهزة التبريد والتكييف (الثلاجات والمكيفات)، بخاخات الأيروسول (مثل مزيلات العرق قديمًا)، صناعة الفوم والبلاستيك الرغوي، وتنظيف المكوّنات الإلكترونية.
لماذا تخلص العالم من “الكلوروفلوروكربونات”؟
وأثبتت الأبحاث ان مشكلة هذه المركبات تبدأ عندما تتسرب إلى الغلاف الجوي، حيث تبقى لسنوات طويلة دون تحلل، ثم تصل إلى طبقة الستراتوسفير (حيث توجد طبقة الأوزون)، وهناك، تقوم الأشعة فوق البنفسجية بتكسيرها، وتحرّر ذرات الكلور التي تدمّر جزيئات الأوزون، وكانت ترقّق طبقة الأوزون، وزيادة وصول الأشعة فوق البنفسجية الضارة إلى سطح الأرض، ومن ثم ارتفاع مخاطر سرطان الجلد وأضرار العين والنظم البيئية.
وبسبب هذه المخاطر حظرت معاهدة دولية عرفت باسم “بروتوكول مونتريال” تلك المركبات 1987، وبدأ العالم يبحث عن بدائلها، التي كان من بينها مركبات “الهيدروكلوروفلوروكربونات” ومركبات ” الهيدروفلوروكربونات” و “غازات التخدير المستخدمة في الطب”.
وحققت هذه المواد الغرض المطلوب منها في وقف تدهور طبقة الأوزون، لكن لاحقا تم اكتشاف آثارها الجانبية الخطيرة على البيئة، والمتمثلة في أنها عندما تتحلل في الجو تنتج مادة “حمض ثلاثي فلورو الأسيتيك “، وهو واحد عائلة مواد الـ ” PFAS “، المعروفة إعلاميا بـ ” المواد الكيميائية الأبدية”، التي لا تتحلل بسهولة وتبقى في البيئة لعقود طويلة.
وقدرت دراسة لباحثين من جامعة “لانكاستر” بالمملكة المتحدة، نشرتها دورية ” رسائل البحوث الجيوفيزيائية” ، أن نحو 335,500 طن متري من هذه المواد ترسبت على سطح الأرض بين عامي 2000 و 2022.
واستعان الباحثون في هذه الدراسة بنماذج علمية متقدمة تُعرف باسم “نماذج النقل الكيميائي”، وهي أدوات تحاكي حركة الغازات في الغلاف الجوي، وكيفية تفاعلها مع مكونات الهواء، ثم تحللها وترسّب نواتجها على سطح الأرض عبر الأمطار أو الترسيب المباشر.

ما هي خطورة بدائل مركبات ” الكلوروفلوروكربونات”؟
وأظهرت نتائج النمذجة أن بدائل مركبات ” الكلوروفلوروكربونات”، وعلى رأسها مركبات الهيدروكلوروفلوروكربونات والهيدروفلوروكربونات، إضافة إلى بعض غازات التخدير، تمثل المصدر الجوي الرئيسي لحمض “ثلاثي فلورو الأسيتيك”، مشيرة إلى أن هذه المواد قادرة على البقاء في الغلاف الجوي لعقود طويلة، ما يسمح لها بالانتقال من مناطق الانبعاث إلى أماكن نائية وبعيدة مثل القطب الشمالي.
وكشفت الدراسة أن معظم حمض ثلاثي فلورو الأسيتيك الذي عُثر عليه في جليد القطب الشمالي ناتج عن هذه البدائل الكيميائية، رغم أن المنطقة بعيدة تماما عن أي مصادر صناعية مباشرة، وهو ما يبرز الطابع العالمي للمشكلة، ويؤكد أن التلوث لا يعترف بالحدود الجغرافية.
وفي مناطق العروض الوسطى من الكرة الأرضية، دعمت نتائج النمذجة أيضا الأدلة المتزايدة حول الدور المتنامي لمبردات الجيل الجديد المستخدمة في تكييف السيارات، والتي تُسوّق على أنها صديقة للمناخ، لكنها في الوقت نفسه تُعد مصدرًا إضافيًا لإنتاج هذه المادة الكيميائية شديدة الثبات عند تحللها في الجو.
وتنبه الدراسة إلى أن معدلات دخول حمض ثلاثي فلورو الأسيتيك إلى البيئة لا تزال في ازدياد، إذ تشير التقديرات إلى أن ذروة إنتاجه من هذه المصادر قد تمتد بين عامي 2025 و2100، حتى مع بدء التخلص التدريجي من بعض هذه المركبات بموجب الاتفاقات الدولية.

تهديد محتمل لـ”الحدود الكوكبية”
ورغم أن الفهم العلمي لتأثيرات حمض ثلاثي فلورو الأسيتيك الصحية لا يزال في طور التطور، فإن تصنيفه كمادة ضارة بالحياة المائية، ورصده في عينات من الدم والبول لدى البشر، أثارا مخاوف متزايدة بشأن التراكم غير القابل للعكس لهذه المادة في البيئة، وهو ما دفع بعض الباحثين إلى المطالبة بالتعامل معها كتهديد محتمل لما يُعرف بـ “الحدود الكوكبية”.
وأكد القائمون على الدراسة أن هذه النتائج تسلط الضوء على الحاجة إلى إعادة التفكير في سياسات استبدال المواد الكيميائية، بحيث لا يقتصر التقييم على خطر واحد مثل تآكل الأوزون أو الاحتباس الحراري، بل يشمل التأثيرات البيئية طويلة الأمد على الهواء والماء والنظم البيئية.
وشدد الباحثون على أهمية تعزيز برامج الرصد والمراقبة الدولية لمستويات حمض ثلاثي فلورو الأسيتيك، وتوسيع نطاق القياسات في مياه الأمطار والمسطحات المائية والجليد، إلى جانب تقييم أعمق لتأثيراته البيئية والصحية.
وخلصت الدراسة إلى أن قصة إنقاذ طبقة الأوزون، رغم كونها إنجازا عالميا غير مسبوق، تكشف اليوم درسا بيئيا بالغ الأهمية، فالحلول السريعة قد تحمل في طياتها مشكلات مؤجلة، لا تظهر إلا بعد سنوات أو عقود، ما يستدعي مقاربة أكثر شمولًا وحذرا عند التعامل مع الكيمياء الصناعية ومستقبل الكوكب.
aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA= جزيرة ام اند امز



