«رأس المال الدماغي».. مفتاح جديد للمنافسة العالمية في عصر الذكاء الاصطناعي
يشهد العالم تحوّلا جوهريا في المنافسة الدولية مع تسارع التحولات التكنولوجية والديموغرافية في العقد الجاري، وسط توترات جيوسياسية لا تتوقف.
ويتضح هذا التحول في الانتقال من الاعتماد التقليدي على النمو الاقتصادي والقدرات التكنولوجية والموارد المادية، إلى التركيز على ما يُعرف بـ”رأس المال الدماغي” (Brain Capital) كمحدد رئيسي لقدرة الدول على المنافسة والابتكار والازدهار المستقبلي.
واعتبر تقرير أعدّه معهد ماكنزي للصحة بالشراكة مع المنتدى الاقتصادي العالمي أن العالم اليوم يتغير بوتيرة غير مسبوقة بسبب بروز الذكاء الاصطناعي وتراجع معدلات النمو في العديد من الاقتصادات المتقدمة، في وقت تشهد فيه بعض المناطق مثل أفريقيا جنوب الصحراء نموّاً سكانيّاً سريعاً في القوى العاملة الشابة.
في هذا السياق، لا يعد الاستثمار في التكنولوجيا وحده ضماناً للنمو المستدام، بل يصبح الاستثمار في القدرات البشرية وصحة الدماغ ومهاراته المعرفية والاجتماعية — أي رأس المال الدماغي — عاملاً حاسماً للقدرة على التكيف مع التغيرات المستقبلية.
ويشكل رأس المال الدماغي مزيجاً من عنصرين مركزيين: الصحة الإدراكية، وهي قدرة الدماغ على العمل بكفاءة عالية طوال الحياة، والمهارات الأساسية مثل التفكير النقدي والإبداع والقدرة على التعاون والتكيف.
ومع انتقال المهام الروتينية إلى الأتمتة والذكاء الاصطناعي، تظل هذه المهارات — غير القابلة للاستبدال بالآلات — هي ما يميّز القوى العاملة القادرة على قيادة التقدم الاقتصادي والاجتماعي.
وركز التقرير على نقطتين رئيسيتين: أولاً، أن التقدم التكنولوجي وحده لا يكفي لتحقيق الفوائد الكاملة إذا لم يستند إلى عقول صحية وذات مهارات عالية. فحتى مع وفرة البيانات والقدرات الحاسوبية، فإن اتخاذ القرار الأخلاقي والتفكير الإبداعي والتعاطف الإنساني يظل خارج نطاق قدرة الآلات. وثانياً، أن الاستثمار المتأخر في هذا النوع من رأس المال سيكلف الدول بريقاً تنافسياً كبيراً، ويؤدي إلى تفاوت أوسع بين الاقتصادات التي تستثمر في البشر وتلك التي تركز فقط على التكنولوجيا دون دعم القدرات البشرية.
ومن منظور ديموغرافي، يبرز تحدٍّ مزدوج. ففي العديد من الدول المتقدمة، يؤدي شيخوخة السكان إلى تضاؤل القوى العاملة ونقص في المهارات الحيوية، بينما في اقتصادات أخرى، سيحتاج العمال الشباب إلى برامج تعليمية وتدريبية مستمرة لتطوير مهارات تلائم متطلبات سوق العمل المتغير بسرعة تحت تأثير الذكاء الاصطناعي.
كما يشير التقرير إلى أن الأعباء الصحية المرتبطة بالدماغ، مثل الاضطرابات النفسية والعصبية والإدمان، تمثل جميعها جزءاً مهماً من العبء العالمي للأمراض، وتؤثر بشكل مباشر على مشاركة الأفراد الفعالة في التعليم والعمل.
ولهذا السبب، فإن الاستثمار في الصحة الدماغية بحد ذاته له مردود اقتصادي كبير، ليس فقط على مستوى الأفراد، بل على مستوى الاقتصادات الوطنية ككل.
واقترح التقرير 5 مجالات للتصرف العملي: حماية صحة الدماغ عبر مراحل الحياة كافة، وتعزيز تعليم المهارات المطلوبة في العصر الجديد، وتحسين قياس رأس المال الدماغي ليكون مرئياً أمام صانعي القرار، وإيجاد آليات تمويل مبتكرة، وتنسيق الجهود بين القطاعين العام والخاص.
وأكد التقرير أن التقدم في الذكاء الاصطناعي لا يلغي أهمية العقل البشري، بل يعيد التأكيد على قيمته الجوهرية في المنافسة العالمية. فالدول التي تعطي أولوية استثمارية لهذا الأصل البشري — صحة الدماغ ومهاراته — ستكون في موقع أفضل للابتكار والمرونة والقدرة على النمو حتى في وجه التحديات المستقبلية، بينما تواجه الدول التي تهمل هذا الاستثمار مخاطر جسيمة تتعلق بتراجع إنتاجيتها وقدرتها على المنافسة في العقود القادمة.
aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA=
جزيرة ام اند امز



