تقنية

المال في قلب معركة الأطلسي.. أوروبا تشهر «سلاح السندات» بوجه واشنطن


تناول تحليل نشرته مجلة “فورين بوليسي” مسألة استخدام السندات المالية كأداة للضغط السياسي أو “سلاح” في النزاعات بين الدول.

وأشار التحليل إلى أنه في خضم تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي خلال أوائل عام 2026، برزت هذه الفكرة في دوائر صنع القرار الأوروبية لتُعيد تشكيل فهم العلاقات المالية الدولية.

وأضاف التحليل أنه تمت بلورتها في سياق ما أطلق عليه البعض “أزمة غرينلاند” — وهي إقليم ذي حكم ذاتي تابع للدنمارك والاتحاد الأوروبي. واندلعت سلسلة من التوترات عندما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نيته السعي إلى ضم الجزيرة ذات الموقع الاستراتيجي في القطب الشمالي، وهدد بفرض عقوبات جمركية على الدول الأوروبية المعارضة.

ووفقاً للتحليل، أدت تلك التهديدات إلى نقاشات جادة بين المحللين الأوروبيين حول ما إذا كان بإمكان الاتحاد الأوروبي تحويل بعض أدواته المالية إلى وسائل ضغط ضد واشنطن. وفي قلب هذا النقاش كانت فكرة “تسليح رأس المال” أو القدرة على استخدام الأصول المالية كآلية تأثير أو ردع، حيث تمت الإشارة إلى ملكية الاتحاد الأوروبي وأطرافه لمبالغ كبيرة من الديون الأمريكية، وخاصة سندات الخزينة الأمريكية.

وتكمن أهمية هذا المقترح في أن الأسواق المالية لم يعد يُنظر إليها فقط كوحدات لتخصيص رؤوس الأموال أو قياس المخاطر، بل كمنصات يمكن أن تُستخدم لتوجيه رسائل سياسية قوية أو ممارسة ضغط غير مباشر على الخصوم.

فقد لاحظ بعض المحللين أن أسعار الأصول — خصوصاً سندات الخزانة الأمريكية، التي تُعتبر العمود الفقري للنظام المالي العالمي — قد تأثرت في أوقات معينة بتحركات المستثمرين الأوروبيين، وهو ما أثار تساؤلات حول حجم التأثير الذي يمكن أن تمارسه أوروبا لو قررت تقليص أو تعديل احتياطياتها من هذه الأوراق المالية.

لكن التحليل أشار أيضاً إلى أن العقبات أمام استخدام مثل هذه الأدوات لا تزال ضخمة. فالسندات الأمريكية تُعد واحدة من أكثر الأسواق سيولة واتساعاً في العالم، وهي مرتبطة بشكل وثيق بالتمويل الحكومي الأمريكي وقدراته على الاقتراض.

وبالتالي، فإن أي محاولة من قبل الاتحاد الأوروبي لتحريك السوق كأداة ضغط قد يكون لها تداعيات غير مقصودة على اقتصادات أوروبا نفسها، وتشمل هذه المخاطر انخفاض أسعار الأصول أو ارتفاع تكاليف الاقتراض، التي قد تنعكس سلباً على ميزانيات الدول الأعضاء.

علاوة على ذلك، يشير التحليل إلى أن الأسواق المالية أكبر من أن تُستخدم كأداة أحادية الجانب بسهولة. فبينما يمتلك الاتحاد الأوروبي احتياطيات كبيرة من الأصول الأمريكية، فإن هذه الأصول موزعة بين صناديق تقاعد خاصة ومستثمرين غير حكوميين، مما يجعل التنسيق السياسي لاستخدامها كوسيلة ضغط أمراً معقداً وغير مضمون.

ومع ذلك، لا يزال هناك تساؤل حول مدى قدرة الحكومات الأوروبية على التأثير في قرارات هذه الجهات غير الرسمية، فضلاً عن التأثير المحتمل على الثقة في اقتصاد المنطقة بحد ذاته.

في خلفية هذا النقاش، يذكر التحليل أن بعض الدول استخدمت المال في النزاعات الدولية منذ قرون، لكن التسليح الحديث للمال يتخذ أشكالاً أكثر تعقيداً واندماجاً مع الأسواق العالمية. ويشير التحليل إلى أن بعض الحكومات الأوروبية قد تسعى إلى تكييف قوانينها المالية أو تنظيمات البنوك لخلق ثغرات تسمح بتحريك رؤوس الأموال بطريقة تكسبها نفوذاً أكبر في المفاوضات الدولية.

وبينما لا يزال الاتحاد الأوروبي يعتمد بشكل كبير على العلاقات التجارية والمالية مع الولايات المتحدة، فإن النقاش الدائر حول إمكانيات استخدام رأس المال كأداة ضغط يعكس تحولاً في التفكير الاستراتيجي الأوروبي في مواجهة السياسات الأمريكية المتقلبة، ولا سيما تلك التي باتت تهدد استقرار الشراكات التقليدية.

وفي تقرير لرويترز، وصلت حيازات الأجانب من سندات الخزانة الأمريكية إلى مستوى قياسي جديد في نوفمبر/تشرين الثاني، بعد أن تعافت من انخفاض استمر لشهرين متتاليين، مدفوعة بتحسن معنويات السوق عقب انتهاء أطول إغلاق حكومي في التاريخ الأمريكي.

وأفادت بيانات وزارة الخزانة الأمريكية الصادرة منتصف يناير/كانون الثاني الماضي أن قيمة السندات التي يمتلكها المستثمرون الأجانب ارتفعت إلى 9.355 تريليون دولار في نوفمبر/تشرين الثاني، مقارنة بـ9.243 تريليون دولار في أكتوبر/تشرين الأول. وعلى أساس سنوي، سجلت حيازات الأجانب زيادة بنسبة 7.2% خلال الشهر نفسه.

وتصدرت كل من اليابان وبريطانيا وبلجيكا وكندا قائمة الدول التي سجلت أكبر نمو في حيازاتها من هذه السندات.

وحافظت اليابان على مركزها كأكبر مستثمر أجنبي في سندات الخزانة، حيث بلغت 1.202 تريليون دولار في نوفمبر/تشرين الثاني، وهو أعلى مستوى لها منذ يوليو/تموز 2022، حين كانت الحيازات عند 1.231 تريليون دولار. ولا تزال حيازات طوكيو من السندات تشهد ارتفاعاً متواصلاً منذ 11 شهراً.

أما بريطانيا فقد زادت حيازاتها إلى 888.5 مليار دولار، بزيادة نسبتها 1.2% مقارنة بشهر أكتوبر/تشرين الأول. كما سجلت كندا ارتفاعاً كبيراً بلغ 13%، لتصل حيازاتها إلى 472.2 مليار دولار في نوفمبر/تشرين الثاني، وهو مستوى قياسي جديد، بعد أن شهدت تراجعاً حاداً بنحو 14% في أبريل/نيسان.

من ناحية أخرى، شهدت الصين تراجعاً ملحوظاً في حيازاتها من السندات الأمريكية، لتصل إلى 682.6 مليار دولار في نوفمبر/تشرين الثاني، في أدنى مستوى لها منذ سبتمبر/أيلول 2008، حين بلغت 618.2 مليار دولار. وتعتبر بكين ثالث أكبر مالك أجنبي للسندات الأمريكية، إلا أن حيازاتها تراجعت بأكثر من 10% منذ بداية عام 2025، مسجلة أكبر انخفاض بين صفوف كبار المستثمرين الأجانب.

aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA= جزيرة ام اند امز NL

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى