التعديل الوزاري في مصر.. الإعلام والدبلوماسية في مواجهة التحديات
يعكس التعديل الوزاري، الذي أعلن الثلاثاء، في مصر توجهًا واضحًا نحو إعادة ضبط أدوات الدولة في مواجهة تحديات متصاعدة داخليًا وخارجيًا.
ملفات الإعلام والسياسة الخارجية، أتت في مقدمة تلك الأدوات، بما ينسجم مع الرسائل الرئيسية الصادرة عن القيادة السياسية للحكومة الجديدة.
فالأمن القومي والسياسة الخارجية كانا في مقدمة محاور تكليف الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي للحكومة الجديدة.
السيسي، الذي طلب من الوزراء الجدد، إيلاء أهمية قصوى بالرأي العام وتبصرته بصفة مستمرة بالحقائق، أكد أهمية “الإعلام الوطني القادر على الوصول إلى كافة مكونات المجتمع المصري”.
وطلب “تقديم خطاب مهني مسئول يُشكل وعيًا جمعيًا أمام ما نواجهه من تحديات وما ينشر من شائعات”.
وشمل التعديل تعيين الدكتور حسين عيسى نائب لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، و13 وزيرا جديدا، و 4 وزراء من الحكومة السابقة، تمت تعديلات على وزاراتهم إما بالإدماج أو الفصل، وتعيين 4 نواب لوزراء بينهم اثنان للخارجية.
ومن أبرز سمات التعديل، عودة وزارة الإعلام التي غابت عن الحكومات السابقة وحل محلها مجالس لإدارة المشهد الإعلامي.
وتولى الصحفي البارز ضياء رشوان الحقيبة، وهو رئيس الهيئة العامة للاستعلامات التي لعبت دورا في إعلان المواقف المصرية إبان الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
وقال الكاتب الصحفي والخبير الإعلامي الدكتور ياسر عبد العزيز إن التعديل الوزاري الجديد جاء في سياق رغبة واضحة لدى الدولة في إحداث تطوير جاد في الأداء الحكومي، والاستجابة لتحديات متعاظمة تواجه الدولة المصرية على المستويين الداخلي والخارجي.
عودة وزارة الإعلام
وأوضح عبد العزيز في حديث لـ”العين الإخبارية” أن التعديل الوزاري يمثل درجة مهمة من التفاعل مع هذه التحديات، سواء ما يتعلق بالسياسات الداخلية أو متطلبات الحضور الإقليمي والدولي، مشيرا إلى أن عودة وزارة الإعلام من جديد، يعكس شعورًا داخل الدولة بضرورة إصلاح وتطوير قطاع الإعلام، في ظل توافق عام على أن هذا القطاع يحتاج إلى مراجعة شاملة.
وأشار إلى أن عودة الوزارة تستهدف تحقيق عدة مهام أساسية، في مقدمتها وضع سياسة إعلامية وطنية واضحة، وصياغة رؤية للتعامل مع العصر الرقمي، لا سيما في ظل صعود الكيانات الرقمية العملاقة مثل منصات التواصل الاجتماعي والشركات العالمية الكبرى، وما تفرضه من تحديات على السيادة الإعلامية والرواية الوطنية.
مهام ضرورية
كما لفت إلى أن من بين أدوار الوزارة التحدث باسم الدولة إعلاميًا، إلى جانب تنسيق الجهود مع الهيئات الإعلامية الثلاث المنصوص عليها في الدستور، وهي المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والهيئة الوطنية للصحافة، والهيئة الوطنية للإعلام، فضلًا عن التنسيق مع غرفتي البرلمان، ورئاسة الجمهورية، وصناعة الإعلام نفسها، والجماعة المهنية، بهدف بناء توافق وطني حول إصلاح الإعلام وتطويره.
اختيار موفق
واعتبر عبد العزيز أن اختيار ضياء رشوان لتولي هذه المهمة اختيار موفق، نظرًا لخبرته الممتدة في المجالات الإعلامية والسياسية والمهنية، حيث شغل منصب نقيب الصحفيين لثلاث دورات، ويتمتع بحس سياسي رفيع بصفته منسقًا للحوار الوطني، فضلًا عن خبرته كرجل اتصال حكومي من خلال رئاسته السابقة للهيئة العامة للاستعلامات، التي قدم فيها تجربة ناجحة.
السياسة الخارجية وأفريقيا
وفيما يتعلق بتعيين نواب لوزير الخارجية، أوضح عبد العزيز أن هذه الخطوة تعكس منح عناية خاصة لبعض الملفات الحيوية، وعلى رأسها تعيين السفير محمد أبوبكر نائبا لوزير الخارجية للشؤون الأفريقية، وهو ما يعبر عن رغبة مصر في تعميق حضورها داخل القارة الأفريقية، ومواجهة التحديات والمتطلبات الملحة التي تفرضها المرحلة الراهنة على السياسة الخارجية المصرية.
خطاب مركزي
ومن جانبه، أكد أستاذ العلوم السياسية إسماعيل تركي أن استهداف وزارة الإعلام يعكس إدراك الدولة لضرورة وجود خطاب سياسي وإعلامي مركزي، في مرحلة تتسم بسيولة معلوماتية وانتشار واسع للأخبار الزائفة، بما يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي والمعلوماتي.
وقال تركي في حديث لــ”العين الإخبارية” إن وجود وزير للإعلام يعني وجود صوت رسمي واحد للحكومة، يقلل من تضارب التصريحات، ويعزز القدرة على بناء إجماع وطني في مواجهة حملات الاستهداف، التي ظهرت بوضوح خلال تطورات إقليمية كبرى، وعلى رأسها الحرب على قطاع غزة.
وعن تعين نائبين جديدين لوزير الخارجية، أشار تركي إلى أن السياسة الخارجية المصرية تتسم اليوم بالنشاط والتوازن، في إطار ما يسميه سياسة المحاور الرشيدة، القائمة على المصالح المتبادلة، والحفاظ على علاقات متميزة مع القوى الدولية الكبرى شرقًا وغربًا، شمالًا وجنوبًا.
وأضاف أن ضخامة الملفات الدولية تفرض توزيعها على نواب متخصصين في مجالات نوعية مثل الهجرة، والمنظمات الدولية، والشؤون الاقتصادية، بما يسمح بتركيز أعمق، ويجنب تشتت الجهد الدبلوماسي.
أولويات أفريقية
بدوره، قال الدكتور حسن سلامة، أستاذ العلوم السياسية، إن التشكيل الوزاري الجديد، لا سيما فيما يتعلق بملف تعيين نائبين لوزير الخارجية وعودة وزارة الإعلام، يتضمن نقاطًا إيجابية تمثل في مجملها عناصر قوة تعكس أولويات الدولة المصرية في هذه المرحلة، وتحدد بدقة الملفات التي تركز عليها السياسة العامة لتحقيق المصلحة الوطنية المصرية.
وأوضح سلامة في حديث لــ” العين الإخبارية” أن تعيين نائب لوزير الخارجية يُعد مطلبًا طال الحديث عنه، مشيرًا إلى أن وزارة الخارجية المصرية عرفت سابقًا منصب وزير دولة للشؤون الأفريقية، وهو ما كان يعكس اهتمامًا مؤسسيًا بالقارة، مؤكدًا أنه كان يتمنى أن يكون المنصب الحالي في هذا الإطار، كما كان الحال في فترات سابقة شهدت خلالها مصر علاقات أفريقية متميزة، خاصة أن ارتباط مصر بالقارة لا يقتصر على وادي النيل فقط، بل يشمل ملفات سياسية واقتصادية وأمنية متعددة.
وأضاف أن تولي السفير محمد أبو بكر هذا المنصب يُعد اختيارًا موفقًا، نظرًا لما يتمتع به من خبرة دبلوماسية واسعة وقدرة عالية على إدارة هذا الملف الحيوي، مؤكدًا أنه قادر على العمل بكفاءة بالتنسيق مع وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطي، مشيرا إلى أن هذه الخطوة تعكس رؤية القيادة السياسية التي تستهدف العودة القوية إلى أفريقيا باعتبارها الحاضنة الطبيعية والاستراتيجية لمصر، وهو توجه أساسي في السياسة الخارجية المصرية.
شرط أساسي
وفيما يتعلق بوزارة الإعلام، أوضح سلامة أن عودة الوزارة ليست أمرًا جديدًا بقدر ما هي إحياء لحقيبة أُلغيت ثم أعيدت، مؤكدًا أنه من الداعمين منذ فترة طويلة لفكرة وجود وزارة للإعلام، باعتبار أن وجودها يسمح بتحقيق تنسيق فعّال بين السياسات الإعلامية المختلفة.
وأكد سلامة أن نجاح وزارة الإعلام مرهون بوجود تفويض واضح ومحدد في خطاب تكليف الوزير، بحيث تكون مهامه معلنة بدقة، سواء فيما يتعلق بمخاطبة الرأي العام الداخلي، وهو أمر بالغ الأهمية، أو بالتواصل مع الخارج وصناعة صورة الدولة المصرية إعلاميًا على الساحة الدولية، معتبرا أن اختيار ضياء رشوان لتولي حقيبة الإعلام يرتبط بالأساس بنجاحه اللافت في الملف الإعلامي الخارجي.
aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA= جزيرة ام اند امز



