بعد 67 عاما.. إدارة ترامب ترسم مسار العام الأخير لـ«ثورة كوبا»
تراهن إدارة دونالد ترامب، التي شددت الخناق على كوبا بقطع إمدادات النفط الأجنبي، على أن هذا هو العام الأخير للثورة الشيوعية الكوبية.
اندلعت الاحتفالات أمام مطعم فيرساي في ميامي الأمريكية قبل ما يقرب من 20 عامًا، بعد أن أعلن فيدل كاسترو أنه مريض للغاية لدرجة أنه اضطر إلى التنحي مؤقتًا عن منصب رئيس كوبا.
ثم ابتهج المنفيون الكوبيون مرة أخرى بعد عامين عندما استقال نهائياً، ومرة أخرى عندما توفي في عام 2016، على الرغم من أن شقيقه راؤول كاسترو كان رئيساً في ذلك الوقت.
حاليًا، يواجه اقتصاد البلاد حالة انهيار حر، وشبكة الكهرباء تتعطل، وملايين المواطنين غادروا، فيما تواجه الحكومة الكوبية ربما أخطر أعدائها: الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
إذ أغلق ترامب على كوبا باب الحصول على شحنات النفط، وساعد في شل صناعة السياحة الحيوية إليها، وأعلن أن حكومة البلاد “تسير نحو الهلاك”.
ووفق نيويورك تايمز الأمريكية، رفعت إدارة ترامب الرهان بشكل كبير بقطع إمدادات الوقود، لأن النفط هو ما يحافظ على استمرار البلاد في العمل، من وسائل النقل العام إلى المصانع والمزارع.
وسبق أن تم التنبؤ بزوال الحكومة الكوبية (تأسست إثر الثورة الشيوعية في 1959)، لا سيما بعد تفكك الاتحاد السوفيتي الذي كان الداعم الرئيسي لكوبا، لكن هذه التوقعات ثبت خطأها.
لكن الخبراء يقولون إن بقاء الحكومة الكوبية يبدو هذه المرة موضع شك كبير، على حد قول “نيويورك تايمز”.
“أيام معدودة”؟
ويقول أعضاء الجالية الكوبية المنفية في جنوب فلوريدا الأمريكية، إن مسؤولي إدارة ترامب يؤكدون لهم أن أيام الحكومة الكوبية معدودة.
وأوضح مارسيل فيليبي، زعيم بارز في الجالية الكوبية المنفية في ميامي ورئيس المتحف الأمريكي للشتات الكوبي، أنه التقى بدبلوماسيين أمريكيين، وأضاف: “قررت الحكومة الأمريكية أن كوبا يجب أن تكون حرة قبل نهاية عام 2026. هذه خطة قيد التنفيذ”.
بالإضافة إلى النفط، تركزت خطط ترامب أيضًا إلى حد كبير على حرمان كوبا من الحصول على العملة الصعبة من السياحة والبعثات الطبية للبلاد في الخارج، حسبما قال مسؤول رفيع في وزارة الخارجية تحدث بشرط عدم نشر اسمه.
ولم تتعاف صناعة السياحة في كوبا من جائحة كوفيد-19، ويرجع ذلك جزئيًا إلى الإجراءات التي اتخذتها إدارة ترامب، والتي جعلت من الصعب على الأوروبيين السفر إلى الولايات المتحدة بعد زيارة كوبا.
وبعد أن ألقت القوات الأمريكية القبض على الزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو، أوقف ترامب إمدادات النفط الفنزويلي إلى كوبا.
ولطالما دعمت فنزويلا كوبا بـ 35 ألف برميل من النفط يوميًا مقابل الخدمات الطبية التي يقدمها الأطباء الكوبيون.
كما أعلن ترامب عن فرض رسوم جمركية على أي دولة ترسل النفط إلى كوبا.
وبشكل عام، أدت هذه الإجراءات إلى قطع الإمدادات عن الموردين الوحيدين للنفط إلى كوبا، وهما فنزويلا والمكسيك، في الوقت الذي تعاني فيه الأخيرة من انقطاع التيار الكهربائي في جميع أنحاء الجزيرة.
وتنتج كوبا نفطها الخاص، لكنه لا يكفي سوى لتلبية 40 في المائة من احتياجاتها اليومية، ومن شأن نقص الشحنات الدولية أن يشل البلاد في نهاية المطاف، حسبما قال محللون.
وقال ترامب للصحفيين مؤخرًا: “كوبا دولة فاشلة. لقد كانت كذلك لفترة طويلة، لكنها الآن لا تملك فنزويلا لدعمها. لذا، نحن نتحدث إلى الشعب الكوبي، إلى كبار المسؤولين في كوبا، لنرى ما سيحدث”.
فيما دخلت روسيا على الخط، إذ قال المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، إن “الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد”.
دروس التاريخ
في المقابل، قال نائب وزير الخارجية الكوبي، كارلوس فرنانديز دي كوسيو، في تصريحات صحفية إن ”رسائل تم تبادلها“ مع إدارة ترامب، لكنه نفى إجراء أي حوار.
واستبعد أي مناقشات حول التغيير السياسي أو الاقتصادي، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة لا تملك سلطة في مثل هذه الأمور.
بدوره، أشار خوان تريانا، الأستاذ في مركز دراسة الاقتصاد الكوبي بجامعة هافانا، إلى أن كوبا لم تنهار حتى في التسعينيات خلال الأزمة المعروفة باسم ”الفترة الخاصة“ بعد سقوط الاتحاد السوفيتي.
موضحا: ”كان الجميع يتطلع إلى كوبا متوقعين سقوطها، لكنهم خسروا الرهان“، مضيفا: ”لقد خسر كل رؤساء الولايات المتحدة واحدًا تلو الآخر“.
قال مسؤول أمريكي غير مخول بالتحدث علناً عن تفاعلات الإدارة مع هافانا إن المسؤولين الكوبيين يشعرون بالقلق لأنهم بدأوا يدركون أن ثورتهم تقترب من نهايتها.
عروض أم سقوط؟
ونقلت نيويورك تايمز عن المسؤول البارز في وزارة الخارجية الذي ناقش استراتيجية البيت الأبيض، إن معظم المحادثات مع الحكومة الكوبية كانت تدور حول قضايا فنية، مثل رحلات الإعادة إلى الوطن، ولم تكن جوهرية.
وتابع المسؤول، أن المشكلة ليست أن الجانبين لا يتحدثان، بل أن هناك خلافًا جوهريًا حول ما يجب أن يكون على طاولة المفاوضات.
وأضاف أن المسؤولين الكوبيين إذا تقدموا إلى إدارة ترامب بعروض مهمة، مثل السماح بمزيد من الشركات الخاصة والأحزاب السياسية المنافسة، فإن الإدارة ستكون على استعداد للمشاركة بشكل أكثر نشاطًا.
ومضى قائلا، إن إدارة ترامب تسعى إلى إجراء محادثات مماثلة لتلك التي تجري في فنزويلا، حيث وافقت الحكومة المؤقتة على اتخاذ خطوات نحو التحول الاقتصادي والديمقراطية.
لكن هذا النهج سيكون صعبًا لأنه لا يوجد مسؤول كوبي مثل الزعيمة المؤقتة لفنزويلا، ديلسي رودريغيز، التي أبدت استعدادها لتهدئة إدارة ترامب، حسبما قال ريكاردو زونيغا، المسؤول السابق في إدارة أوباما الذي ساعد في قيادة المفاوضات السرية السابقة مع كوبا.
وتابع “لقد استبعدت الحكومة الكوبية أي مسؤول حكومي يبدو أن لديه طموحات سياسية”.
يشير العديد من الخبراء إلى تحدٍ رئيسي آخر في حالة سقوط الحكومة الكوبية: من غير الواضح من سيقود البلاد لأن الحكومة سجنت معظم قادة المعارضة أو دفعتهم إلى المنفى.
ورغم هذه التحديات، قالت آدا فيرير، أستاذة التاريخ في جامعة برينستون التي فاز كتابها عن كوبا بجائزة بوليتزر 2022، لـ”نيويورك تايمز”: “صحيح أن التوقعات السابقة بسقوط الحكومة الكوبية كانت خاطئة. لكن لا يوجد حاليا أي متبرع ينتظر في الكواليس لإنقاذ الاقتصاد الكوبي المنهار كما فعلت فنزويلا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي”.
وتابعت ”هذه المرة، يبدو الأمر مختلفًا“.
aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA= جزيرة ام اند امز



