تقنية

انشقاقات واستفتاء مصيري.. أزمات متلاحقة تهدد حكومة ميلوني


تدخل رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني مرحلة شديدة الحساسية من ولايتها، في ظل تزامن أزمات سياسية داخلية تهدد تماسك ائتلافها الحاكم وتضع مستقبلها السياسي أمام اختبار صعب.

يأتي ذلك، بالتزامن مع استعداد البلاد لاستفتاء حاسم حول إصلاح القضاء، يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه تصويتًا غير مباشر على أدائها خلال السنوات الثلاث الماضية في الحكم.

وشهدت الساحة السياسية الإيطالية هذا الأسبوع هزة بارزة عقب استقالة الجنرال السابق روبرتو فاناتشي من حزب «الرابطة»، أحد أعمدة الائتلاف الحكومي الذي يقوده نائب رئيس الوزراء ماتيو سالفيني. وبرر فاناتشي، المعروف بخطابه اليميني المتشدد ومواقفه المؤيدة لروسيا والمعادية للمهاجرين، قراره باتهام الحزب بالتراجع عن نهجه الصدامي تجاه الاتحاد الأوروبي وسياسات الهجرة.

ومع خروجه من الحزب، صعّد فاناتشي هجومه على سالفيني، متهمًا إياه بـ«خيانة القيم والمبادئ»، ومشيرًا إلى ما وصفه بتناقض مواقفه حيال تسليح أوكرانيا، مؤكداً أن «الولاء لا يعني الطاعة العمياء»، بحسب صحيفة التايمز.

أزمة علنية

وأثار هذا الانشقاق أزمة علنية داخل معسكر اليمين، عكست حجم التوترات الكامنة داخل الائتلاف الحاكم.

ويمثل هذا التطور مصدر قلق حقيقي لميلوني، إذ تشير استطلاعات الرأي إلى قدرة فاناتشي على استقطاب نحو 4% من الأصوات، حال خاض أي استحقاق انتخابي بشكل مستقل، وهو ما قد يُخلّ بالتوازن الدقيق بين الائتلاف الحاكم والمعارضة، ويزيد من حدة التنافس السياسي في مرحلة حساسة.

وتسلّط هذه الأزمة الضوء على المعضلة الجوهرية التي تواجهها ميلوني؛ إذ تحاول من جهة ترسيخ صورة معتدلة على الساحة الدولية، بعد أن نأت بنفسها عن أقصى اليمين الأوروبي، ودعمت أوكرانيا بقوة، وعززت علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، مقدّمة نفسها بوصفها جسراً سياسياً موثوقاً مع الإدارة الأمريكية.

وفي المقابل، تواجه ضغوطاً متزايدة من داخل معسكرها لاعتماد خطاب أكثر تشدداً، في ظل صعود أصوات يمينية تتهمها بتقديم تنازلات سياسية.

ثنائي القوة الجديد

وعلى الصعيد الخارجي، نجحت ميلوني خلال الأشهر الماضية في تعزيز حضورها الأوروبي، ولا سيما عبر علاقتها الوثيقة مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس، حيث بات يُنظر إليهما بوصفهما «ثنائي القوة الجديد» في أوروبا.

كما تسعى روما إلى توسيع التعاون الدفاعي مع برلين، وسط حديث عن احتمال انضمام ألمانيا إلى برنامج الطائرات المقاتلة الذي تشارك فيه إيطاليا وبريطانيا واليابان.

غير أن هذا الزخم الدبلوماسي لا يخفف من وطأة الاستحقاق الداخلي الأبرز، إذ تستعد إيطاليا في 22 و23 مارس/آذار لإجراء استفتاء شعبي حول إصلاح جذري لمنظومة القضاء، يُعد تحقيقًا لحلم قديم لليمين الإيطالي الذي طالما اتهم الجهاز القضائي بالتحيز السياسي.

ويقترح الإصلاح منع القضاة من التنقل بين النيابة والقضاء، وإلغاء انتخابهم لمجالس التعيين والترقية، واستبدال ذلك بنظام القرعة لتشكيل مجلسين منفصلين، بهدف الحد من نفوذ التيارات المنظمة داخل السلطة القضائية.

وتشير استطلاعات الرأي إلى تقدم نسبي لمؤيدي الإصلاح، إلا أن المعركة لا تزال مفتوحة، خاصة مع تكثيف المعارضة اليسارية حملتها وتحذيرها من «تسييس القضاء».

ويحذر محللون من أن الاستفتاء قد يتحول إلى تصويت على شعبية ميلوني نفسها، بصرف النظر عن تفاصيل المشروع الإصلاحي.

 تداعيات فورية

وتتعامل ميلوني بحذر مع هذا الاستحقاق، متجنبة ربط مصيرها السياسي بنتيجته، على خلاف ما فعله رئيس الوزراء الأسبق ماتيو رينزي الذي استقال عقب خسارته استفتاء عام 2016. ومع ذلك، يرى مراقبون أن أي هزيمة محتملة قد تقوض «هالة الحصانة السياسية» التي تتمتع بها، حتى من دون تداعيات فورية على موقعها في السلطة.

في المقابل، يعتبر أنصار الحكومة أن الفوز في الاستفتاء قد يمنح ميلوني تفويضًا سياسيًا أقوى، وربما يفتح الباب أمام انتخابات مبكرة، رغم ترجيحات أخرى بأن تفضّل استكمال ولايتها حتى عام 2027، مستندة إلى استقرار نسبي في الأداء الاقتصادي وتحسن إدارة أموال التعافي الأوروبية.

وهكذا، تقف جورجيا ميلوني عند مفترق طرق سياسي دقيق، بين نجاح دبلوماسي يعزز مكانتها الأوروبية، وأزمات داخلية تهدد وحدة ائتلافها، واستفتاء قضائي قد يعيد رسم المشهد السياسي الإيطالي برمّته، ويحدد ملامح المرحلة المقبلة من حكمها.

aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA= جزيرة ام اند امز NL

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى