الأزمة الصناعية الفرنسية نتيجة اختلال بين الرقمنة والصناعات التقليدية
شهدت فرنسا في عام 2025 تراجعا غير مسبوق في إنشاء المصانع الجديدة، ليصل إلى أدنى مستوى منذ عام 2013، وفق بيانات مكتب الدراسات «ترندو»، على الرغم من الزيادة الكبيرة في الإنفاق الحكومي على إعادة الصناعة.
في هذا السياق، أكد الخبير الاقتصادي الفرنسي نيكولاس بوزو، أستاذ الاقتصاد في جامعة بانثيون بباريس، في حديث مع “العين الإخبارية”، أن الأزمة الحالية ليست مجرد أرقام، بل تعكس اختلالًا هيكليًا بين الاستثمار في الصناعات الرقمية الحديثة ودعم الصناعات التقليدية مثل السيارات والآلات الثقيلة.
وحذر بوزو من أن استمرار هذا الاختلال قد يضع الصناعة الفرنسية على مفترق طرق حاسم، مع ضرورة تحقيق توازن بين الابتكار الرقمي والحفاظ على القدرة الإنتاجية التقليدية لضمان النمو المستدام والحفاظ على الوظائف في مختلف الأقاليم.
وأشار الخبير الاقتصادي الفرنسي إلى أن أزمة إنشاء المصانع في فرنسا ما هي إلا مرآة لصراع السياسة الصناعية بين القديم والجديد، مؤكدًا أن الاعتماد الكبير على الاستثمارات في التكنولوجيا الرقمية على حساب دعم الصناعة التقليدية خلق اختلالات هيكلية في الاقتصاد الفرنسي.
وأوضح أن الرقمنة مهمة، لكنها لا تعوّض بالكامل خسارة الوظائف والقدرات الإنتاجية في المصانع التي لطالما شكلت قلب الاقتصاد الفرنسي، ولا سيما في قطاعات مثل صناعة السيارات والآلات الثقيلة.
وشدد بوزو على أن الاستثمار الذكي يجب أن يكون متوازنًا بين القطاعات الرقمية والصناعية لتعزيز النمو الشامل والوظائف، مؤكدًا أن الصناعة الفرنسية تواجه منافسة قوية من الخارج، خصوصًا من الصين وألمانيا، ما يجعل من الصعب على الشركات الفرنسية الحفاظ على حوافزها الإنتاجية.
وأوضح أن البيئة التنافسية تتطلب سياسات تدعم المنتج المحلي وتخفض تكاليف الإنتاج، وهو ما ينعكس في دعوات بعض قادة الصناعة الأوروبية إلى تبني استراتيجية «صنع في أوروبا» التي تعطي أولوية للمنتجات المحلية في مواجهة الواردات الرخيصة.
ووفقًا للخبير الاقتصادي الفرنسي، فإن الرقم السلبي في صافي إنشاء المصانع، بانخفاض 63 وحدة في 2025، ليس مجرد نتيجة مؤقتة، بل مؤشر لنمط أوسع من تراجع القدرة التنافسية بسبب ضعف الاستثمار في البحث والتطوير الصناعي مقارنة بالدول الصناعية الأخرى، وكذلك طول الإجراءات الإدارية وكلفة العمالة والضرائب، موضحًا أن هذا يضيق هامش المناورة أمام الشركات ويؤخر قرارات التوسع أو الاستثمار الجديد.
وأشار بوزو إلى أن فرنسا بحاجة إلى سياسة صناعية أكثر فاعلية واستمرارية. فبدل التركيز على تحفيز الاستثمار الرقمي فقط، يجب أن تتخذ الدولة إجراءات مباشرة لدعم الصناعات الاستراتيجية، مثل السيارات الكهربائية ومكونات الطاقة النظيفة، عبر حوافز ضريبية وتسهيلات تشريعية، بما يعيد الثقة للمستثمرين المحليين والأجانب على حد سواء.
ورأى بوزو أن القطاع الصناعي لا يزال عنصرًا أساسيًا للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في فرنسا، فهو يربط بين المعرفة التقنية وسلاسل القيمة العالمية، ويدعم خلق وظائف مستقرة في الأقاليم، موضحًا أنه لتقوية هذه القاعدة، يجب أن تبني فرنسا نموذجًا صناعيًا يقوم على الابتكار والتنافسية، يستفيد من القوة البحثية والتعليمية الفرنسية ويواكب التحول البيئي، بدلًا من السماح باضمحلال القاعدة الإنتاجية التقليدية.
وقالت صحيفة «لوموند» الفرنسية إنه، على الرغم من الزيادة الكبيرة في الإنفاق الحكومي على إعادة الصناعة، شهدت فرنسا في عام 2025 تراجعًا ملحوظًا في إنشاء المصانع الجديدة، لتسجل أدنى مستوى منذ عام 2013. وأوضحت أن الواقع يظهر أن عدد إغلاقات المصانع تجاوز عدد الفتحات الجديدة، وهو ما يعكس عمق الأزمة الصناعية التي تواجه البلاد، خاصة في القطاعات التقليدية مثل السيارات.
وتشير بيانات مكتب الدراسات «ترندو»، التي نُشرت الخميس، إلى أن صافي التغير في عدد المصانع بلغ تراجع 63 مصنعًا في 2025، مقارنة بتراجع 15 مصنعًا في نهاية 2024. وهذا الانخفاض الكبير يعكس فقدان الزخم الذي شهدته الصناعة الفرنسية خلال السنوات السابقة، بعد ذروة إنشاء المصانع في عامي 2021 و2022.
وفي الوقت ذاته، شهدت فرنسا استثمارات قياسية على الورق، لكن نصف هذه الاستثمارات تم توجيهها إلى القطاع الرقمي، ما ترك الصناعة التقليدية تواجه ضغوطًا متزايدة من المنافسة الأجنبية.
ويبرز قطاع السيارات كمثال على الأزمة، إذ تتزايد عمليات التسريح وإغلاق خطوط الإنتاج في العديد من الشركات، وفق بيانات «ترندو». هذه التحديات تضع البلاد أمام مرحلة حرجة من إعادة الهيكلة الاقتصادية، كما يوضح ديفيد كوسكيه، مؤسس «ترندو»، مشيرًا إلى أن الاقتصاد الفرنسي يشهد تحولًا عميقًا نتيجة صعود الصناعات الرقمية والمستدامة في مواجهة تراجع الصناعات الثقيلة التقليدية.
وتسلط البيانات الضوء على ما وصفه الخبراء بـ«الإشارات المتناقضة»، فمن جهة، هناك استثمارات ضخمة في الرقمنة، ومن جهة أخرى، يزداد التراجع في الصناعات التقليدية. وبينما يستمر التحول نحو الصناعات الحديثة والرقمية، تواجه فرنسا تحديات حقيقية في الحفاظ على نسيجها الصناعي التقليدي، ما يشير إلى أن المستقبل الصناعي الفرنسي يعتمد على قدرة الدولة والشركات على موازنة الاستثمار بين الابتكار الرقمي والحفاظ على الصناعات التقليدية، لتجنب تفاقم موجة الإغلاقات وفقدان الوظائف.
aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA= جزيرة ام اند امز



