النفط يخرج عن معادلاته التقليدية.. الأسعار حائرة بين التهديدات والصفقات الغامضة
تتزايد التقلبات الحادة في أسواق الطاقة العالمية، حيث لم تعد أسعار النفط تحدد وفق العوامل الاقتصادية التقليدية فقط، بل أصبحت رهينة للتصريحات السياسية والتطورات العسكرية والتقارير الإعلامية، وهو ما يعكس تحولا عميقا في آليات التسعير.
لا يتم تداول خام برنت وخام غرب تكساس الوسيط في الوقت الراهن بناء على العوامل الأساسية فحسب، بل باتت حركة الأسعار تعتمد بدرجة كبيرة على حسابات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر منصات التواصل الاجتماعي، وتقارير موقع أكسيوس بشأن وقف إطلاق النار، وقد عكست جلسة تداول، الإثنين، هذا الواقع بدقة واضحة.
وفقا لموقع TradingNEWS، ارتفع خام غرب تكساس الوسيط بنسبة وصلت إلى 3.5% ليصل إلى 115.48 دولار للبرميل في بداية التداولات الآسيوية، قبل أن يتراجع بنسبة 1.6% إلى 109.59 دولار، مسجلا انخفاضا يوميا قدره 8.48 دولار، ولم يكن هذا التراجع نتيجة لعوامل تتعلق بسعر النفط نفسه، بل جاء بعد تقارير أكسيوس التي أشارت إلى مناقشات بين وسطاء أمريكيين وإيرانيين وإقليميين حول وقف إطلاق النار لمدة 45 يوما.
وفي السياق ذاته، ارتفع خام برنت بنسبة 2.6% قبل أن يتراجع بنسبة 0.4% إلى 108.62 دولار للبرميل في الساعة 4:26 صباحا بتوقيت شرق الولايات المتحدة، ثم عاود الارتفاع مع تراجع الحديث عن وقف إطلاق النار وعودة الخطاب التصعيدي، حيث تجاوز خام برنت حاجز 110 دولارات مجددا، وارتفع خام غرب تكساس الوسيط إلى نطاق يتراوح بين 111 و112 دولارا.
أسعار متذبذبة
في تمام الساعة التاسعة صباحا بتوقيت شرق الولايات المتحدة الإثنين، بلغ سعر خام برنت 111.25 دولار للبرميل، منخفضا بمقدار 2.78 دولار عن إغلاق الأحد الذي سجل 114.03 دولار، أي بانخفاض نسبته 2.43%، إلا أن هذا المستوى يظل مرتفعا بشكل لافت، حيث يزيد بنسبة 32.64% مقارنة بالشهر السابق عند 83.87 دولار، وبنسبة 74.59% مقارنة بالعام الماضي عند 63.72 دولار.
ويشير هذا الارتفاع الحاد خلال عام واحد إلى أن ما تشهده أسواق الطاقة العالمية لا يمكن اعتباره دورة سلع تقليدية، بل يمثل أزمة إمدادات حقيقية ناجمة عن اختناق أحد أهم ممرات النفط في العالم.
وفي وقت سابق من جلسة التداول، تجاوز خام برنت في بورصة إنتركونتيننتال بلندن حاجز 110 دولارات للبرميل لأول مرة منذ 30 مارس/آذار، حيث سجل 110.50 دولار في الساعة الواحدة صباحًا بتوقيت موسكو، قبل أن يرتفع إلى 111.89 دولار، محققا مكاسب بلغت 2.43% خلال الفترة ذاتها.
أدت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على منصة “تروث سوشيال” الأحد إلى زيادة حدة التوتر، حيث وصف الثلاثاء بأنه “يوم محطات الطاقة ويوم الجسور” في إيران، مهددا باستهداف البنية التحتية للطاقة والجسور في حال عدم إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة البحرية بحلول الساعة الثامنة مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، وقد استخدم لغة مباشرة ومشحونة موجهة إلى القيادة الإيرانية، واختتم تصريحاته بعبارة “الحمد لله”، ما أضفى مزيدا من التوتر على المشهد الجيوسياسي دون أن يغير من المعادلات العسكرية الأساسية.
تصريحات متغيرة
وفي تصريحات لاحقة، أشار ترامب إلى وجود “فرصة جيدة” للتوصل إلى اتفاق، لكنه في الوقت نفسه لوّح باستخدام القوة والاستيلاء على النفط في حال فشل المفاوضات، مؤكدا أنه لو كان القرار بيده لسيطر على النفط الإيراني لأنه “لا يوجد ما يمكنهم فعله حيال ذلك”، وهو ما خلق حالة من الغموض في السوق وأدى إلى تقلبات حادة في أسعار خام غرب تكساس الوسيط، التي تحركت بين 109.59 دولار و115.48 دولار خلال ساعات.
وفي سياق متصل، أظهرت مصادر داخل البيت الأبيض أن مقترح وقف إطلاق النار لمدة 45 يوما لا يزال مجرد فكرة ضمن عدة مقترحات ولم يحظ بموافقة رسمية من الرئيس الأمريكي، وهو ما يعزز حالة الغموض، ويشير إلى استمرار النهج التصعيدي، الأمر الذي يحد من قدرة السوق على تسعير احتمالات التهدئة.
ويُعد مضيق هرمز أحد أهم نقاط الاختناق في إمدادات الطاقة العالمية، إذ يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال، وقد أدى التصعيد إلى تعطيل فعلي لحركة الملاحة في هذا الممر الحيوي، في ظل تهديدات إيرانية باستهداف السفن، وهو ما يعمق الأزمة ويزيد من الضغوط على الأسواق العالمية.
وسحب هذا الحجم من الإمدادات من السوق في وقت واحد يمثل صدمة هيكلية لا تستطيع النماذج التقليدية استيعابها، رغم استخدام الاحتياطي النفطي الاستراتيجي كحل مؤقت، إلا أنه لا يمثل حلًا طويل الأمد.
من الخاسر؟
على صعيد المستهلك، ارتفعت أسعار البنزين في الولايات المتحدة إلى أكثر من 4 دولارات للغالون لأول مرة منذ عام 2022، بينما وصلت أسعار وقود الطائرات إلى 195 دولارا للبرميل، ما يفرض ضغوطًا مباشرة على شركات الطيران ويجبرها على رفع الأسعار أو تقليص الخدمات، كما أدى ارتفاع تكاليف النقل والطاقة إلى زيادة أسعار الغذاء، وهو ما يعكس انتقال تأثير أزمة النفط إلى الحياة اليومية للمستهلكين.
ويعتمد مسار الأسعار في الفترة المقبلة على عدة سيناريوهات محتملة، تشمل التوصل إلى اتفاق يؤدي إلى انخفاض الأسعار، أو تصعيد عسكري يرفعها إلى مستويات قياسية، أو استمرار الوضع الحالي ضمن نطاق مرتفع، أو إعادة فتح جزئي لمضيق هرمز بما يسمح بعودة جزء من الإمدادات، مع بقاء علاوة المخاطر الجيوسياسية قائمة.
ويُظهر التحليل التاريخي أن ما يحدث اليوم يختلف عن أزمة عام 2008، حيث كان ارتفاع الأسعار حينها مدفوعا بالطلب، بينما يرتبط الارتفاع الحالي بانكماش المعروض نتيجة الإغلاق الجزئي لأهم ممرات النفط، ما يجعل تأثيره أكثر تعقيدًا واستمرارًا، ويؤكد أن الأسواق تتجه نحو مرحلة جديدة تتداخل فيها السياسة مع الاقتصاد بشكل غير مسبوق.
aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA=
جزيرة ام اند امز



