تقنية

البرهان بين «فساد» الجيش وتحالفات الإخوان.. سلام مؤجل في السودان (خاص)


بينما يضغط المجتمع الدولي لإيقاف الحرب، يقف الجيش السوداني «حجر عثرة» أمام الوصول إلى طاولة السلام، بـ«رفضه مبادرات عدة للهدنة، وبإصراره على المضي قدمًا في الأعمال العسكرية».

إصرار كان «الفساد المستشري داخل المؤسسة العسكرية، المحرك الخفي وراءه، فشبكات النفوذ التي ترسخت عبر سنوات، تجد في استمرار القتال ضمانة لحماية مصالحها، ما يجعل كلفة السلام أعلى من كلفة الحرب في ميزان هذه الدوائر»، بحسب خبراء استطلعت «العين الإخبارية» آراءهم.

وعند تقاطع هذا الفساد مع تحالفات أيديولوجية معقدة، على رأسها ارتباطات مع تنظيم الإخوان، تتشكل معادلة تُقيد القرار العسكري وتفرغ الضغوط الدولية من مضمونها، مما يعرقل مبادرات الهدنة التي تعلو الأصوات كل حين بها، ويرفضها الجيش، بينما توافق عليها قوات الدعم السريع.

إطالة الحرب

وتقول صحيفة «إندجام بوست» التشادية، إن «الفساد المستشري داخل الجيش السوداني، يلعب دورًا مهمًا في إطالة أمد الحرب واستمرار الصراع».

بدوره، قال المحلل السياسي السوداني كمال كرار في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن الفساد ليس وحده العائق رغم تفشيه في كافة مفاصل الدولة، لكنّ الحرب مستمرة لضمان غطاء سياسي وعسكري لبورتسودان، في ظل عدم اعتراف شعبي بانقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021، ولاستمرار الحكم عبر فوهة البندقية.

وحول تغلغل الإخوان داخل الجيش، قال المحلل السياسي السوداني كمال كرار، إنه رغم النفي، فإن الاسلاميون متغلغلون في السلطة، مشيرًا إلى أن انقلاب البرهان في أكتوبر/تشرين الأول 2021 والذي كان هدفه إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، دفع بكوادر الإخوان مجددا إلى الخدمة المدنية. وتوقع أن تدفع الضغوط الدولية إلى إشعال الخلاف في معسكر بورتسودان إن لم يكن اليوم فغدا.

وأشار إلى أن «الحرب لم تعد بين طرفين، بل دخلت مليشيات وقوى سياسية فيها، ترى في استمرار النزاع العسكري غاية لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية»، في إشارة إلى تنظيم الإخوان الإرهابي والمليشيات المتحالفة معه.

وأوضح أن استمرار الحرب «مقصود به قطع الطريق على ثورة ديسمبر والتحول المدني الديمقراطي»، مشيرًا إلى أنه منذ «منبر جدة في مايو/أيار 2023 لاحت أكثر من فرصة لتسوية هذه الأزمة سلميا، لكن التدخل الخارجي جعل من الصراع العسكري حربا بالوكالة».

وأشار إلى أن أعوان النظام السابق لا زالوا في المناصب العليا بالجيش، بعد أن كان مأمولا هيكلة القوات النظامية بما يعيد لها القومية وينهي تمكين عناصر المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية وهو ما لم يحدث.

الأمر نفسه أشار إليه، الخبير في حقوق الإنسان ومدير المركز السوداني للمعرفة، عبدالباقي جبريل، قائلا، إن «الفساد المستشري داخل المؤسسة العسكرية السودانية، المتحالفة مع تنظيم الإخوان وجماعات أخرى، يُعد أحد أبرز العوامل التي أدت إلى تدهور أوضاع حقوق الإنسان في البلاد خلال الفترة الأخيرة».

وأوضح جبريل، في تصريحات للصحيفة التشادية، أن «المجتمع الدولي يمارس ضغوطًا جدية على الجيش السوداني من أجل إنهاء الحرب والانخراط في مفاوضات سياسية تؤدي إلى انتقال السلطة وتداولها بين المدنيين، وإبعاد المؤسسة العسكرية عن الحكم، بما يضع حدًا للأزمة التي تعاني منها البلاد».

«لكنّ سلطة بورتسودان المدعومة من جماعة الإخوان، ترفض الانخراط في مفاوضات سياسية حقيقية تُفضي إلى إنهاء النزاع وفتح مسار سلمي وديمقراطي، مما يُعد من أبرز أسباب استمرار الحرب»، يضيف جبريل.

أعمال عنف

وكانت الأمم المتحدة قد أكدت في وقت سابق تلقيها تقارير ومعلومات موثقة تفيد بوقوع عمليات إعدام ميداني لمدنيين في مناطق خاضعة لسيطرة الجيش، لا سيما في ولاية الخرطوم مطلع أبريل/نيسان من العام الماضي.

وتشير التقارير إلى أن «لواء البراء بن مالك»، المرتبط بتنظيم الإخوان الإرهابي، وبالتعاون مع عناصر من الجيش، اعتقل بعض المواطنين ونفذ إعدامات ميدانية بحقهم بتهمة التعاون مع الطرف الآخر في النزاع، وهو «قوات الدعم السريع» المرتبطة بتحالف «تأسيس» في نيالا.

ودعا جبريل إلى ضرورة مراعاة حقوق الإنسان في السودان عبر وقف فوري للحرب، ووضع حد للانتهاكات المرتكبة بحق المواطنين، في إطار نقاش عام ومباشر يهدف إلى زيادة الاهتمام بالوضع الإنساني في البلاد.

أرض يأس

وكان مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، قال في تصريحات صحفية، إن الحرب في السودان، المستمرة منذ نحو ثلاث سنوات، حولت البلاد إلى «أرض يأس»، بسبب استمرار القتال في مناطق مكتظة بالسكان، والهجمات التي تستهدف المدارس والمستشفيات والأسواق وأماكن العبادة، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني.

وفي تصريحات أدلى بها الشهر الماضي، أضاف تورك: «يمثل النزاع في السودان فصلًا جديدًا في سجل الوحشية، إذ توثق التقارير أنماطًا مستمرة من العنف ضد المدنيين، بما في ذلك القتل والاغتصاب وأعمال التعذيب»، مشيرًا إلى استمرار الانتهاكات في ظل غياب المساءلة.

وبحسب بيانات مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، ارتفع عدد القتلى من المدنيين في السودان العام الماضي إلى أكثر من ضعفين ونصف مقارنة بالعام الذي سبقه، فيما لا يزال آلاف الأشخاص في عداد المفقودين، ويُعتقد أن بعضهم قد فارق الحياة.

وأشار تورك إلى وجود العديد من الحالات الموثقة لانتهاكات استهدفت النساء والفتيات، مؤكدًا أن «أجساد النساء والفتيات السودانيات تُستخدم كسلاح لترهيب المجتمعات». وأوضح أنه تم تسجيل أكثر من 500 ضحية للعنف الجنسي، بما في ذلك حالات اغتصاب فردي وجماعي، وأعمال تعذيب جسدي، وأشكال من الاستعباد أدت في كثير من الحالات إلى الوفاة.

ويعتبر مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن ما يجري في السودان يمثل «حربًا بشعة» تتسم بـ«تجنيد الأطفال والشباب للمشاركة في القتال، وعسكرة المجتمعات، وتضييق الحيز المدني، واستهداف الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، إلى جانب انتشار خطاب الكراهية». وأضاف تورك: «لا يسعني إلا أن أتساءل كيف يتمكن أولئك الذين يقودون هذا الجنون أو يستفيدون منه، داخل السودان وخارجه، من النوم ليلًا».

aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA= جزيرة ام اند امز NL

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى