تقنية

من الحرس الثوري إلى «الحوزة».. الطريق «المظلم» لمجتبى خامنئي


عندما قُتل المرشد الإيراني علي خامنئي في اليوم الأول من الحرب الدائرة، لم تكن المفاجأة في رحيله بقدر ما كانت في سرعة انتقال السلطة.

ففي غضون وقت قياسي، تحرك مجلس الخبراء الإيراني ليعيّن نجله مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى جديدًا.

هذا الانتقال السريع لم يكن وليد اللحظة، بل بدا تتويجًا لمسار طويل من التهيئة السياسية والأمنية والدينية، أُدير خلف الكواليس بعناية على مدى سنوات، ما أعاد إلى الواجهة تساؤلات داخل النخبة الإيرانية حول ما إذا كانت إيران تعيد إنتاج نموذج أقرب إلى الوراثة السياسية. 

ووفقا لمجلة ناشيونال إنترست، فقد وُلد مجتبى خامنئي في مدينة مشهد عام 1969، ونشأ في بيئة دينية، حيث تلقى تعليمه في حوزة قم على يد علماء بارزين مثل محمود هاشمي شاهرودي ومحمد تقي مصباح يزدي.

غير أن مساره لم يقتصر على التعليم الديني، إذ اتجه مبكرًا نحو دوائر النفوذ الأمني والعسكري، التي ستصبح لاحقًا الركيزة الأساسية لصعوده.

حلقة الحرب: شبكة النفوذ الأولى

في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، خلال الحرب الإيرانية العراقية، انضم مجتبى إلى الحرس الثوري، حيث خدم ضمن كتيبة “حبيب بن مظاهر”.

في تلك المرحلة، بدأ في بناء شبكة علاقات مع رفاق السلاح، تحولت مع مرور الوقت إلى ما يُعرف بـ”حلقة كتيبة حبيب” – وهي شبكة غير رسمية امتدت داخل أجهزة الاستخبارات والأمن ومؤسسات الدولة الحساسة.

ولاحقًا، شغل أفراد هذه الحلقة مواقع مؤثرة، من إدارة أجهزة أمنية إلى الإشراف على الأمن الداخلي والعمل الأيديولوجي، ما منح مجتبى قاعدة نفوذ صلبة داخل بنية النظام.

صانع الرؤساء: الدور الخفي في السياسة

برز اسم مجتبى خامنئي علنًا لأول مرة خلال الانتخابات الرئاسية عام 2005، عندما اتهمه مهدي كروبي بالتدخل في العملية الانتخابية. وتكررت هذه الاتهامات بشكل أكثر وضوحًا في انتخابات 2009، حيث رُبط اسمه بدعم إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد، مستندًا إلى نفوذ داخل قوات الباسيج والأجهزة الأمنية.

هذا الدور غير الرسمي في توجيه السياسة عزز صورته كفاعل مركزي داخل النظام، رغم غيابه عن المناصب التنفيذية العلنية.

إلى جانب نفوذه الأمني، عمل مجتبى على ترسيخ مكانته الدينية، من خلال تدريس “درس الخارج” في قم، وهو أعلى مستوى في الحوزات الشيعية. وقد مثّلت هذه الخطوة محاولة لمعالجة أحد أبرز الانتقادات التي وُجهت إلى والده عند توليه السلطة عام 1989، والمتعلقة بمحدودية رصيده الفقهي.

ومع مرور الوقت، بدأ بعض رجال الدين المقربين من السلطة في منحه ألقابًا دينية رفيعة، في مسار بدا وكأنه إعداد تدريجي لمنحه شرعية دينية موازية لشرعيته السياسية.

إقصاء المنافسين: إعادة تشكيل المشهد

بالتوازي مع صعود مجتبى، شهدت الساحة الإيرانية تراجعًا لعدد من أبرز المرشحين المحتملين لخلافة والده. كان من بينهم علي أكبر هاشمي رفسنجاني، الذي أُبعد تدريجيًا عن مراكز القرار قبل وفاته في ظروف أثارت جدلًا واسعًا.

كما خرج من السباق شخصيات أخرى مثل شاهرودي، بينما تراجعت مكانة صادق أمولي لاريجاني بعد قضايا فساد طالت مقربين منه. هذه التحولات ساهمت في تضييق دائرة المنافسة، بما يصب في مصلحة مشروع الخلافة.

وبحلول العقد الأخير، كانت مراكز القوة داخل الدولة قد أعيد تشكيلها بشكل يحدّ من أي منافسة حقيقية. فقد تراجعت استقلالية مجلس الخبراء لصالح مجلس صيانة الدستور، الذي عزز نفوذ التيار الموالي لخامنئي.

وكشفت تسريبات لاحقة عن وجود لجان داخلية تُدير عملية اختيار المرشد بشكل مغلق، ما يعزز الانطباع بأن الخلافة كانت نتيجة عملية مُحكمة أكثر من كونها تنافسًا مفتوحًا.

فجوة كبيرة

في موازاة ذلك، رُوّجت صورة إعلامية لعائلة خامنئي باعتبارها نموذجًا للتقشف، حيث قُدمت روايات عن حياة بسيطة لأبنائه. إلا أن تقارير وتسريبات دولية أشارت إلى استثمارات ضخمة مرتبطة بالعائلة، ما خلق فجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المتداول.

رؤية أكثر تشددًا: ملامح المرحلة المقبلة

داخل دوائر الحرس الثوري، يُنظر إلى مجتبى خامنئي كشخصية أكثر تشددًا من والده، وأكثر ارتباطًا بالمقاربة الأمنية في إدارة الدولة. وقد ربطت تقارير اسمه بملفات إقليمية حساسة، ما يعزز صورته كامتداد، وربما تصعيد، لنهج قائم.

بيد أنه في ظل الظروف الراهنة، ومع تصاعد التوترات، يُرجح أن يميل أسلوب حكمه إلى تعزيز القبضة الأمنية، وتوسيع دور الأجهزة الاستخباراتية، مع تقليص هامش المعارضة الداخلية.

يرث مجتبى خامنئي دولة تختلف جذريًا عن تلك التي حكمها والده عند وصوله إلى السلطة. فهي أكثر عسكرة، وأكثر عرضة للاختراقات، وأقل تمتعًا بالثقة الشعبية.

aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA=

جزيرة ام اند امز

NL

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى