«السلم والثعبان» في أسعار النفط تاريخيا.. عودة شبح 2008
تراجعت أسعار النفط عن المستويات المرتفعة المسجلة في وقت سابق اليوم الإثنين.
وبالرغم من ذلك تظل عند مستويات قياسية مرتفعة بأكثر من 15% وهو مستوى غير مسبوق منذ منتصف 2022، متأثرة بالتصعيد في الشرق الأوسط.
وكانت بعض الدول المنتجة الرئيسية قد خفضت إمداداتها، في حين هيمنت مخاوف من استمرار اضطرابات الشحن لفترة طويلة على السوق بسبب توسع الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران. وتضيف التطورات الأخيرة صفحة جديدة في سجل تاريخي يحفل بالأمثلة على قفزات قياسية في أسعار النفط أربكت العالم كله وحبست أنفاسه قبل أن تهدأ الأمواج في وقت لاحق وتعتدل الأسعار.
محطات تاريخية
ووفقا لدراسة أجراها مارك غرونولد الأستاذ بجامعة أبرديين الاسكتلندية بعنوان “الأسعار المفخخة للنفط”، فإن سوق النفط العالمي يشهد بشكل متكرر اضطرابات كبيرة. ومن بين أبرز الأمثلة كانت أزمتا النفط، وانهيار منظمة أوبك، وارتفاع أسعار النفط المرتبط بحرب الخليج الثانية في عامي 1990/1991، وأخيرًا الحلقة التي شهدها شهر يوليو/تموز عام 2008 عندما وصلت أسعار النفط إلى مستوى قياسي تجاوز 140 دولارًا للبرميل. ويشير غرونولد في دراسته إلى نمطين من تحرك أسعار النفط. الأول هو التحرك الأفقي المستمر وغير الحاد.. بينما ثمة تحرك رأسي يتبعه في الغالب انهيار في السعر في وقت لاحق.
وفي تاريخ إمدادات الطاقة، توجد حالتان من تحركات أسعار النفط تبدوان مختلفتين؛ ففي عامي 1990/1991 و2008 يمكن وصف تحركات الأسعار بأنها دراماتيكية، والارتفاع في كلتا الحالتين تبعه لاحقًا انهيار. وبالإضافةً إلى ذلك، استغرق وصول السعر إلى ذروته وقتًا ملحوظًا؛ إذ استغرق أكثر من ثلاثة أشهر في 1990/1991، واستغرق مدة أطول في عام 2008. ويختلف هذا السلوك عن مجرد زيادة في التقلب، أو حدوث قفزات منفردة ومعزولة.
العقدين الأخيرين من القرن العشرين
وألقى تقرير نشره موقع أويل آند إينرجي أونلاين، الضوء على فترة الثمانينيات والتسعينيات الهامة في تطور أسعار النفط.
وقال إن الفترة بين عامي 1979 و1980 شهدت ارتفاعًا سريعًا في أسعار النفط الخام، حيث بلغت ذروتها في أبريل /نيسان 1980 متجاوزة 35 دولارًا للبرميل. وقد أدى هذا الارتفاع الكبير في الأسعار إلى زيادة إنتاج النفط، ما دفع الدول المنتجة إلى التنافس على حصص أكبر في السوق العالمية. ومع ارتفاع الأسعار وزيادة الإنتاج، بدأ الطلب على النفط في الانخفاض تدريجيًا، وذلك نتيجة تحسن كفاءة استخدام الطاقة في العمليات الصناعية والسيارات، مما قلل من استهلاك الوقود. كما ساهم تباطؤ النشاط الاقتصادي في الدول الصناعية، المتأثرة بالأزمات المالية في سبعينيات القرن العشرين، في تقليص الطلب على النفط.
وفي يونيو/حزيران 1981، كتبت صحيفة نيويورك تايمز عن ظهور ما سمي بـ “تخمة النفط”، حيث أصبح المعروض من النفط أكبر من الطلب عليه. في البداية اعتُبر هذا الفائض مؤقتًا، إلا أنه تطور لاحقًا إلى فترة طويلة من الانخفاض في أسعار النفط استمرت نحو 6 سنوات. وخلال الفترة من 1982 إلى 1985 حاولت منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) السيطرة على الوضع من خلال خفض إنتاجها عدة مرات بهدف استقرار الأسعار في السوق العالمية. ومع ذلك، لم تنجح هذه الجهود بالشكل المطلوب، لأن العديد من الدول الأعضاء في المنظمة لم تلتزم بحصص الإنتاج المحددة لها وكانت تنتج كميات أكبر من المسموح به.
في المقابل، كانت المملكة العربية السعودية من الدول القليلة داخل أوبك التي التزمت فعليًا بخفض الإنتاج من أجل دعم استقرار الأسعار. لكن مع مرور الوقت أدى هذا الالتزام إلى تراجع حصتها في السوق، خاصة مع زيادة إنتاج الدول غير الأعضاء في أوبك التي تجاوز إنتاجها إنتاج المنظمة نفسها. وأمام هذا الوضع، شعرت السعودية بالإحباط من محاولات تحقيق التوازن في السوق عبر تقليص إنتاجها.
وفي عام 1986 قررت السعودية تغيير سياستها النفطية بشكل جذري، فتخلت عن سياسة خفض الإنتاج ورفعت إنتاجها بشكل كبير من نحو مليوني برميل يوميًا إلى خمسة ملايين برميل يوميًا. أدى هذا القرار إلى زيادة المعروض في السوق العالمية بشكل كبير، ما تسبب في انهيار حاد في أسعار النفط، حيث انخفضت إلى ما يقرب من 10 دولارات للبرميل خلال النصف الأول من ذلك العام. وبذلك شكّل عام 1986 نقطة تحول رئيسية في تاريخ سوق النفط العالمية.
وفي أغسطس/آب 1990 قام العراق بغزو الكويت، مما أدى إلى اضطراب كبير في سوق النفط العالمية، إذ ارتفع سعر خام برنت بشكل حاد من حوالي 15 دولارًا للبرميل في نهاية يوليو/تموز 1990 إلى نحو 41.45 دولارًا للبرميل في أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه. ويرجع هذا الارتفاع إلى تراجع إنتاج النفط في منطقة الشرق الأوسط نتيجة التوترات السياسية والعسكرية، إضافة إلى المخاوف من احتمال تعطل إمدادات النفط العالمية في المستقبل.
ومع تصاعد الأزمة، تدخلت الولايات المتحدة وحلفاؤها عسكريًا لتحرير الكويت من القوات العراقية بقيادة صدام حسين. وقد نجحت هذه العملية العسكرية في إخراج القوات العراقية من الكويت وإعادة الاستقرار النسبي إلى المنطقة. ومع بدء الهجوم العسكري الذي قادته الولايات المتحدة ضد العراق، تراجعت أسعار النفط بسرعة كبيرة نتيجة انخفاض المخاوف بشأن نقص الإمدادات.
ففي 21 يناير/كانون الثاني 1991، وهو اليوم التالي لبدء الهجوم، شهدت أسعار النفط انخفاضًا حادًا بلغ نحو 33٪، وهو أكبر تراجع يومي في أسعار النفط في ذلك الوقت. كما عاد سعر خام غرب تكساس الوسيط (WTI) إلى المستوى نفسه تقريبًا الذي كان عليه في الأول من أغسطس/آب 1990، أي قبل يوم واحد فقط من غزو العراق للكويت. ويعكس هذا التراجع السريع في الأسعار مدى تأثر سوق النفط بالتطورات السياسية والعسكرية، وكذلك سرعة استجابة السوق لتغير التوقعات المتعلقة بإمدادات النفط العالمية.
2008
وقالت دراسة لمعهد بروكينغز إن السعر ظل متذبذبا للغاية لكنه كان لا يزال منخفضًا عند مستوى 20 دولارًا للبرميل في نهاية عام 2001. وشهدت السنوات الست التالية زيادة مطردة أدت إلى مضاعفة السعر الحقيقي ثلاث مرات بحلول منتصف عام 2007. ويمثل عام 2008 المنعطف الأكثر دراماتيكية في تاريخ أسواق الطاقة، حيث شهدت الأسعار “انفجاراً” سعرياً قاد خام غرب تكساس (WTI) من 90 دولاراً في بداية العام إلى ذروة غير مسبوقة بلغت 145.85 دولاراً في يوليو/تموز، قبل أن تهوي إلى 32 دولاراً في نهاية العام. لم يكن هذا التقلب مجرد صدفة، بل نتاج تلاقي “عاصفة كاملة” من العوامل.
أولها صدمة العرض والجمود الإنتاجي: فرغم استقرار الإنتاج العالمي ظاهرياً، إلا أن المشكلة تكمن في عجز العرض عن النمو بين 2005 و2008. ففي الوقت الذي كان العالم ينتظر من السعودية (المنتج المرجح) ضخ المزيد، تراجع إنتاجها في 2007 بنحو 850 ألف برميل يومياً عن مستويات 2005. وهذا “الركود” في العرض، تزامناً مع نضوب الحقول التقليدية في بحر الشمال والمكسيك، أفقد السوق وسادة الأمان المعتادة لمواجهة تقلبات الطلب.
وثاني هذه العوامل كان شهية الصين والأسواق الناشئة: فبينما كانت الاقتصادات الكبرى (أمريكا، أوروبا، اليابان) تخفض استهلاكها قسرياً تحت ضغط السعر، كانت الصين تسجل نمواً سنوياً في الاستهلاك بنسبة 7% منذ 1990. وبحلول 2008، تحولت الصين إلى لاعب مهيمن يستنزف فوائض الإنتاج العالمية، مما جعل السوق شديد الحساسية لأي اضطراب بسيط، فارتفعت الأسعار بشكل حاد لإجبار المستهلكين في أماكن أخرى على تقليص استهلاكهم.
أما العامل الثالث بحسب ورقة بروكينغز فكان التوترات الجيوسياسية و”المضاربة” حيث زادت التوترات الجيوسياسية، لاسيما التهديدات بشن هجوم إسرائيلي على المنشآت النووية الإيرانية في يونيو/حزيران 2008، من حدة الذعر في الأسواق. وفي هذا المناخ المتوتر، لعبت المضاربة المالية دور المحفز؛ حيث تدفقت مليارات الدولارات من صناديق المؤشرات السلعية إلى العقود الآجلة، مما دفع الأسعار الاسمية بعيداً عن القيمة العادلة، وخلق “فقاعة سعرية” هائلة.
لكن لم يستمر هذا التحليق طويلاً؛ فبمجرد اندلاع الأزمة المالية العالمية، انهار الطلب العالمي فجأة. وما استغرق بناؤه خمس سنوات من الصعود، تم محوه في أقل من ستة أشهر؛ حيث تبخرت مكاسب الأسعار بنسبة تجاوزت 70%، لتنتهي الأزمة بدرس قاس في اقتصاديات الطاقة وهو أن الأسعار المدفوعة بأساسيات العرض والطلب المتأزمة والمدعومة بالمضاربة، تسقط بسرعة أكبر بكثير مما ترتفع به بمجرد تغير المعطيات الاقتصادية الكلية.
وفي عام 2010، سلكت أسعار النفط الخام العالمية مساراً تصاعدياً آخر لتتجاوز حاجز الـ 100 دولار للبرميل؛ إلا أن الأمر هذه المرة استغرق أقل من عامين للوصول إلى ذلك المستوى. لكن هذا الارتفاع في الأسعار ألهم الكثيرين للبحث عن النفط في أماكن يصعب الوصول إليها، ومن هنا انطلقت ثورة النفط الصخري.
فقد أدت تقنية “التكسير الهيدروليكي” (Fracking) إلى تحفيز “حمى ذهب أسود” في مناطق لم تكن معهودة من قبل، مثل “باكن” في ولاية داكوتا الشمالية. وفي هذه الأثناء، توصل الكنديون إلى طريقة لاستخراج النفط من الرمال في المناطق النائية بمقاطعة ألبرتا.
من جانبهم، اتخذ السعوديون مرة أخرى قراراً بضخ المزيد من الإمدادات لخفض الأسعار لكن الابتكار كان له الغلبة؛ إذ أصبح منتجو النفط الصخري أكثر كفاءة من ذي قبل، وسرعان ما حطم الإنتاج الأمريكي أرقاماً قياسية. فبدلاً من الانهيار، نجح منتجو النفط الصخري في خفض تكاليفهم التشغيلية والاستمرار في الإنتاج حتى بأسعار منخفضة، مما جعل الولايات المتحدة أحد أكبر منتجي النفط في العالم. ونتيجة لذلك، لم يستغرق الأمر سوى أقل من عامين لتنهار الأسعار من 100 دولار إلى 26 دولاراً فقط.
وبعد انهيار 2016، أدركت دول أوبك وروسيا أن حرب الأسعار تضر بالجميع، فتم تأسيس تحالف “أوبك+”. ونجح التحالف في خفض الإنتاج، مما دفع الأسعار للعودة إلى مستويات 60 – 70 دولاراً بحلول عام 2018.
وفي عام 2020، انهارت الأسعار إلى ما دون الصفر (سالب 37 دولاراً لعقود مايو/أيار) بسبب جائحة كورونا وذلك لفترة وجيزة، لكن التعافي الذي تلا ذلك كان ضخماً. فمع انفتاح الاقتصادات بعد الجائحة، قفز الطلب بشكل هائل.
وعند اندلاع الحرب في أوكرانيا عاد النفط ليتجاوز حاجز 120 دولاراً للبرميل لأول مرة منذ سنوات طويلة، بسبب المخاوف من انقطاع الإمدادات الروسية.
aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA= جزيرة ام اند امز



