تقنية

«الكاكاو» يهدد استقرار كوت ديفور.. ارتدادات خطيرة


في كوت ديفوار، تحولت أزمة “الكاكاو” عالميا، وتراجعه في مكونات “الشيكولاته”، إلى ملف سياسي ذي ارتدادات خطيرة.

واعتبر خبيران أفريقيان، أن الأزمة التي يشهدها قطاع الكاكاو في كوت ديفوار تحولت إلى اختبار سياسي مباشر لسيادة الدولة وقدرتها على إدارة الموارد.

وأضاف الخبيران، أن الأزمة تكشف هشاشة نموذج تصدير المواد الخام دون تطوير سلاسل تحويل محلية قوية، مؤكدين أن استمرار الاعتماد على تصدير المواد الخام يمنح الشركات متعددة الجنسيات اليد العليا في تحديد هوامش الربح والتحكم في الطلب العالمي، ما يضع الدول المنتجة في موقع دفاعي كلما تغيرت معادلات السوق.

وقال الباحث الكاميروني في الشؤون الأفريقية، أشيل مبيمبي، أستاذ التاريخ والسياسة في جامعة ويتواترسراند، لـ”العين الإخبارية”، إن نموذج تصدير المواد الخام دون تعميق التصنيع المحلي يجعل الدول المنتجة في موقع هش. 

وأوضح أن ما يحدث في كوت ديفوار يعكس حدود السياسات الزراعية التقليدية، حيث صمم نظام التسويق لحماية المزارعين من تقلبات السوق، لكنه تحول في لحظة انهيار الأسعار، إلى عبء سياسي ثقيل. 

وتابع أن “أزمة الكاكاو في كوت ديفوار لم تعد مسألة أسعار أو فائض إنتاج فحسب، بل تحولت إلى ملف سياسي بامتياز، يختبر قدرة الدولة على حماية استقرارها الاجتماعي في مواجهة تقلبات الأسواق العالمية وهيمنة الفاعلين الدوليين في سلاسل القيمة الزراعية”.

ورأى مبيمبي، أن ما يجري يكشف عمق الارتباط بين القرار الزراعي والسيادة الوطنية، موضحًا أن آلية تسويق الكاكاو في كوت ديفوار، كما في غانا، تقوم على نظام تنظيمي تتدخل فيه الدولة مباشرة عبر بيع نحو 80% من الإنتاج مسبقًا للتجار الدوليين قبل عام من الحصاد، ثم تحديد سعر مضمون للمزارعين مع بداية الموسم في أكتوبر/تشرين الأول.

من جانبه، قال الباحث البنيني جيل يابي، مؤسس مركز التفكير “واثي” في داكار، والمتخصص في الحوكمة والتحولات السياسية في غرب أفريقيا لـ”العين الإخبارية”، إن شكاوى المزارعين في كوت ديفوار وغانا من تأخر المدفوعات لا تقرأ فقط في سياق مالي، بل كعامل ضغط سياسي في بلد يعتمد جزء واسع من نسيجه الريفي على هذا القطاع، مشيرًا إلى أن “أي اختلال في منظومة التسويق ينعكس فورًا على الاستقرار المحلي”.

وأضاف يابي، أن الحكومة الإيفوارية تحركت بخطوة تحمل طابعًا سياسيًا واضحًا، إذ أطلقت برنامجًا لشراء نحو 100 ألف طن من المخزونات غير المباعة بكلفة قاربت 500 مليون دولار،

فيما تشير تقديرات إلى سحب ما يصل إلى 200 ألف طن من السوق، موضحًا أن هذا التدخل لا يهدف فقط إلى امتصاص الفائض، بل إلى منع انتقال الأزمة إلى الشارع الريفي، حيث يشكل مزارعو الكاكاو قاعدة اجتماعية وازنة.

وفي المقابل، اختارت غانا مسارًا مختلفًا عبر خفض السعر المضمون بنحو الثلث، في محاولة لاستعادة جاذبية السوق أمام المشترين الدوليين. 

واعتبر يابي، أن هذه الخطوة تعكس ضيق هامش المناورة السياسية، خصوصًا في ظل الأزمة المالية التي تمر بها أكرا بعد إعادة هيكلة ديونها الخارجية، لافتًا إلى أن السياسة الداخلية تتقاطع هنا مع التوازنات الدولية، إذ يصبح القرار الزراعي جزءًا من حسابات أوسع تتعلق بالاستقرار المالي والسيادي.

وأشار يابي إلى أن الفائض العالمي، المقدر بين 300 ألف و400 ألف طن هذا الموسم، ليس مجرد رقم اقتصادي، بل عنصر ضغط سياسي، خاصة وأن جزءًا كبيرًا منه مكدس في كوت ديفوار وغانا اللتين تفتقران إلى قدرات تخزين وتمويل تضاهي قدرات الشركات الدولية.

كيف بدأت الأزمة؟

في كوت ديفوار وغانا، لا يخضع الكاكاو لآليات السوق الحرة بالكامل، إذ تقوم الهيئات التنظيمية الرسمية، المعينة من قبل الدولة، ببيع نحو 80% من الإنتاج مسبقًا للتجار الدوليين قبل عام من الحصاد، وبناءً على هذه المبيعات يتم تحديد سعر مضمون للمزارعين في بداية الموسم.

بعد أن تضاعفت أسعار الكاكاو تقريبًا ثلاث مرات وبلغت مستويات قياسية في عام 2024، فقدت لاحقًا نحو ثلاثة أرباع قيمتها، نتيجة تراجع الطلب العالمي وتكيف شركات الشوكولاتة مع الأسعار المرتفعة عبر تقليص المكونات القائمة على الكاكاو.

ويرى يابي، أن هذه الأزمة تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على ضبط قطاع حساس يتحكم جزئيًا في الاستقرار الاجتماعي والسياسي للبلاد، مؤكدًا أن التحرك الحكومي لشراء المخزونات “ليس مجرد إجراء مالي، بل رسالة سياسية مفادها أن الدولة لن تترك قاعدتها الزراعية لمصير السوق الدولية”.

وأشار الباحث السياسي البنيني إلي أن استمرار الاعتماد على تصدير الكاكاو الخام دون تعميق التصنيع المحلي قد يقود إلى تحولات سياسية داخلية، خاصة في المناطق الريفية المعتمدة عليه كمصدر دخل شبه وحيد، ما يجعل إدارة الأزمة مسألة مرتبطة بالأمن والاستقرار بقدر ارتباطها بالاقتصاد، في بلد يشكل فيه الكاكاو ركيزة من ركائز التوازن الوطني.

aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA= جزيرة ام اند امز NL

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى