من ضربة محدودة إلى حملة موسعة.. حسابات المخاطر الأمريكية في إيران
يواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اختباراً معقداً في إدارة التصعيد مع إيران، في لحظة تتقاطع فيها الحسابات العسكرية مع اعتبارات الردع والمخاطر الإقليمية.
في هذا الإطار، قدّم الجنرال المتقاعد ديفيد بترايوس، القائد السابق للقوات الأمريكية في العراق وأفغانستان والمدير الأسبق لوكالة الاستخبارات المركزية، تقييماً مفصلاً للخيارات التي يُرجّح عرضها على البيت الأبيض، مستعرضاً ما تنطوي عليه من أبعاد عسكرية واستخباراتية وتداعيات دبلوماسية محتملة، وفقا لمجلة فورين بوليسي.
ووفقا لبترايوس فإن أحد أبرز المخاوف التي يثيرها المسؤولون العسكريون يتمثل في “حسابات الصواريخ” المعقدة، فثمة تساؤلات معلقة حول عدد الصواريخ الباليستية المتبقية لدى إيران ومواقع منصاتها المتنقلة، مقابل حجم المخزون الأمريكي من الصواريخ الاعتراضية الذي استُهلك جزء كبير منه في دعم أوكرانيا والمشاركة في التصدي للهجمات الإيرانية على إسرائيل، في يونيو/حزيران الماضي.
ويشير بترايوس إلى أن منظومة الدفاع الجوي المتطورة من طراز ثاد استخدمت وحدها صواريخ اعتراضية بقيمة 1.2 مليار دولار خلال التصدي للهجمات الإيرانية، ما يثير القلق من قدرة الدفاعات الأمريكية على التعامل مع وابل صاروخي كثيف.
شبكة الوكلاء
ولا يقتصر القلق الأمريكي على المواجهة المباشرة مع إيران، بل يمتد إلى شبكة وكلائها في المنطقة.
ويحذر بترايوس من احتمالية تحرك حزب الله من لبنان أو “ميليشيات عراقية”، وهو ما استدعى بالفعل سحب الموظفين غير الأساسيين من سفارة بيروت مع توقع إجراءات مماثلة في بغداد.
وشدد الجنرال المتقاعد على أن نجاح العمليات الأمريكية السابقة لم يكن نتاج التفوق العسكري وحده، بل ساهم فيه “عنصر الحظ” الذي حال دون وقوع كوارث مشابهة لتفجير ثكنات مشاة البحرية في بيروت عام 1983، محذراً من أن أي اختراق صاروخي إيراني ناجح قد يوقع خسائر فادحة في قاعدة أو منشأة أمريكية.
الخيارات العسكرية
وتحتفظ الولايات المتحدة بحشد عسكري كبير في المنطقة يشمل حاملتي طائرات ونحو 200 طائرة مقاتلة ومنصات إنذار مبكر وتشويش وتزويد بالوقود، إضافة إلى سفن قادرة على إطلاق مئات صواريخ كروز.
وبحسب تحليل بترايوس، تتدرج الخيارات العسكرية المطروحة أمام البيت الأبيض من ضربة استعراضية محدودة تهدف للضغط باتجاه اتفاق نووي، إلى استهداف قيادات عسكرية أو سياسية، وصولاً إلى حملة جوية موسعة لضرب القدرات الصاروخية والنووية الإيرانية ومنشآت إعادة البناء، مع إمكانية تنفيذ عمليات بحرية لتحييد تهديدات محتملة مثل زرع الألغام في مضيق هرمز أو استخدام الزوارق السريعة والطائرات المسيرة.
تغيير النظام
غير أن بترايوس يشكك في قدرة أي حملة جوية، مهما بلغت كثافتها، على تغيير النظام في طهران، نظراً لتماسك بنيته الأمنية التي تضم الحرس الثوري والجيش وميليشيا الباسيج التي تضم مئات الآلاف.
ويزيد غياب قواعد انطلاق تقليدية من التحديات اللوجستية، فضلا عن الضغط على أصول عسكرية “عالية الطلب”، مثل طائرات التزود بالوقود وأنظمة الدفاع الصاروخي.
سيناريوهات الرد
ورغم تراجع الدفاعات الجوية الإيرانية بعد تدمير معظم منظومات إس-300 الروسية، يؤكد بترايوس أن طهران لا تزال تملك خيارات رد مؤلمة متعددة، تشمل إطلاق صواريخ باليستية قد يخترق بعضها الدفاعات الأمريكية، وزرع ألغام في ممرات ملاحية بما يؤثر على الاقتصاد العالمي، وتنفيذ هجمات بطائرات مسيرة أو زوارق سريعة، إضافة إلى تحريك وكلائها في المنطقة.
ويحذر من أن طول أمد العمليات يزيد احتمالات الخطأ ويضاعف الضغط على القوات، ما يجعل “عنصر الحظ” عاملاً حاسماً في تحديد مسار أي مواجهة عسكرية.
رهان المعلومات
يعتمد أي قرار عسكري أمريكي على شبكة معلومات واسعة تشمل الاستخبارات البشرية والإلكترونية والسيبرانية والجغرافية المكانية، فضلاً عن التعاون الوثيق مع أجهزة حليفة. لكن تبقى المعضلة الأساسية في تحديد مواقع منصات الإطلاق المتنقلة ومخازن الصواريخ، وهي أهداف بطبيعتها صعبة الرصد والاستهداف.
ويشير بترايوس إلى أن التعاون الاستخباراتي مع إسرائيل أظهر قدرات استثنائية في اختراق العمق الإيراني خلال الحملات السابقة، غير أن طهران تعمل باستمرار على تطوير أساليب التمويه والإخفاء لحماية ترسانتها الصاروخية.
موسكو وبكين
روسيا، المنشغلة بحرب أوكرانيا، لا تملك هامشاً واسعاً لدعم إيران عسكرياً، خصوصاً في مجال الدفاعات الجوية التي تعتمد عليها طهران بشكل كبير.
أما الصين فتراقب المشهد بحذر، مستفيدة من انشغال واشنطن في أكثر من جبهة، دون مؤشرات على استعدادها للتدخل المباشر دعماً لطهران.
ويرى بترايوس أن بكين تستمتع برؤية الولايات المتحدة منشغلة في الشرق الأوسط.
معادلة المخاطرة
ويخلص بترايوس إلى أن التفوق العسكري الأمريكي لا يعني غياب المخاطر، فالعملية العسكرية المحدودة قد تبقى تحت السيطرة، لكن الحملة الواسعة قد تفتح الباب أمام تداعيات يصعب احتواؤها.
والمعادلة الحقيقية أمام ترامب، وفق هذا التقييم، لا تتعلق فقط بقدرة واشنطن على إلحاق ضرر كبير بإيران، بل بمدى استعدادها لتحمل تبعات تصعيد قد يتجاوز أهدافه الأصلية، في منطقة تعج بالتوازنات الهشة والحسابات المتشابكة.
aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA= جزيرة ام اند امز



