تقنية

اضطراب المشهد التجاري العالمي.. اتفاقيات معلقة ومصير غامض


انقلب الأسبوع الذي بدأ بمكاسب تجارية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعد إعلان المحكمة العليا إبطال الأساس القانوني لقرارات الرسوم الجمركية التي فرضها، ما أحدث تحولا مفاجئا في مسار الاتفاقيات التجارية المبرمة مؤخرا.

فبعد أن تعهدت اليابان باستثمار 36 مليار دولار في الولايات المتحدة، ووقع رئيس إندونيسيا اتفاقية في واشنطن لفتح قطاعات حيوية من اقتصاد بلاده أمام الشركات الأمريكية، جاءت تلك التفاهمات في إطار اتفاقيات تجارية أبرمت تحت ضغط التهديد بفرض رسوم جمركية مرتفعة غير مسبوقة في العصر الحديث، وصلت إلى 35% لليابان و32% لإندونيسيا.

لكن الوضع تغير بعد قرار المحكمة العليا الذي ألغى الأساس القانوني لتلك الرسوم، ليصبح السؤال المطروح: من الرابح ومن الخاسر؟ وهو سؤال لم تتضح إجابته بعد، في ظل غموض يحيط بمستقبل الاتفاقيات القائمة.

وعقب صدور الحكم، أكد ترامب أن العديد من الاتفاقيات ستظل سارية، رغم اعترافه بأن بعضها قد لا يعتمد بالكامل، ما ترك مصير هذه التفاهمات في حالة من الضبابية.

ووفق ما نقلته صحيفة نيويورك تايمز، سارعت حكومات آسيوية، حيث تُصنع معظم سلع العالم، إلى إبرام صفقات مع الإدارة الأمريكية، بهدف التفاوض على تخفيض الرسوم الجمركية المفروضة على صناعاتها التصديرية. غير أن قادة حكوميين واجهوا انتقادات داخلية، بعد أن اتهموا بتقديم تنازلات واسعة، بل والتفريط في بعض عناصر السيادة الوطنية مقابل تخفيف الضغوط التجارية.

ومع فرض رسوم مرتفعة، قدمت دول مثل اليابان وإندونيسيا، إضافة إلى كوريا الجنوبية وتايوان وماليزيا وكمبوديا والهند، تنازلات صعبة، تمثلت في رفع بعض الرسوم الجمركية على الواردات الأمريكية، والموافقة على ترتيبات تتعلق بالعقوبات وقضايا الأمن القومي ومصادر المعادن الحيوية. وأثارت هذه الالتزامات جدلا سياسيا داخليا، فضلا عن تحفظات من شركاء تجاريين مثل الصين.

ماذا فعلت الصين؟

وتظل الصين، بالنسبة للدول الآسيوية التي أبرمت صفقات مع واشنطن، قوة مؤثرة ومنافسا أو شريكا اقتصاديا وجيوسياسيا رئيسيا في كل دولة تقريبا. وقد تعهد ترامب عند توليه المنصب بالتصدي لنفوذ الصين في سلاسل التوريد العالمية، ودفع الدول الآسيوية إلى الانخراط في اتفاقيات تجارية تدعم هذا التوجه.

وحتى الآن، أبقت الصين مسار المفاوضات مع واشنطن في حالة من الجمود، وقد تنتهي بالحصول على شروط أفضل من تلك التي قبلت بها بعض دول الجوار وحلفاء الولايات المتحدة.

ومع قرار المحكمة الذي قيّد صلاحيات فرض الرسوم، باتت دول آسيوية تتساءل عما إذا كانت قد استعجلت في إبرام اتفاقيات مع ترامب، وما إذا كانت هذه الاتفاقيات ستستمر كما هي أم ستعاد صياغتها من جديد.

ونقلت صحيفة نيويورك تايمز عن الرئيس التنفيذي لشركة الاستشارات الجيوسياسية، ستيفن أوكون، قوله إن الدول التي وقّعت اتفاقيات مع الولايات المتحدة ووافقت على تعريفات جمركية تتجاوز 15% أصبحت الآن في وضع تفاوضي أقل قوة.

وأضاف: هل تعيد هذه الدول التفاوض للحصول على شروط أفضل بعد تراجع قوة الضغط التفاوضي لترامب؟ أم تحافظ على الاتفاقات القائمة لتجنب ردود فعل محتملة؟

عدم يقين

ويزيد من حالة عدم اليقين استمرار تغير معدلات التعريفات الفعلية. فبعد ساعات من صدور حكم المحكمة، أعلن ترامب فرض تعريفة جمركية عالمية بنسبة 10% استنادا إلى أساس قانوني مختلف، ثم أعلن لاحقا رفعها إلى 15%.

وخلال الأشهر الأخيرة، حصلت اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان على تعريفات جمركية بنسبة 15% مقابل تعهدات استثمارية بمئات المليارات من الدولارات، ما يعني أن تأثير القرار القضائي لم يغيّر الكثير بالنسبة لهذه الدول في الوقت الراهن.

ووفق تقرير لشبكة سي إن بي سي، فإن أثر التعريفات الجديدة يتباين بين الدول الحليفة والمنافسة للولايات المتحدة، إذ تواجه المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي وسنغافورة رسوما أعلى، بينما قد تشهد دول مثل البرازيل والصين والهند انخفاضا في معدلات الرسوم بعد رفعها إلى 15%.

جاء ذلك بعدما قضت المحكمة العليا الأمريكية، بأغلبية ستة أصوات مقابل ثلاثة، بأن الرئيس استند بشكل غير قانوني إلى قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية لفرض تلك الرسوم.

ورد ترامب لاحقا بفرض رسوم جمركية عالمية بنسبة 10% بموجب المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974، قبل أن يرفعها إلى 15%.

ووفقا لتحليل أجرته منظمة “غلوبال تريد أليرت” السويسرية لمراقبة التجارة، فإن المملكة المتحدة ستشهد، على أساس مرجح بالتجارة، زيادة قدرها 2.1 نقطة مئوية في متوسط معدل الرسوم الجمركية، في حين يرتفع المعدل في الاتحاد الأوروبي بمقدار 0.8 نقطة.

في المقابل، انخفض متوسط الرسوم الجمركية المرجحة في البرازيل بمقدار 13.6 نقطة مئوية، وفي الصين بمقدار 7.1 نقاط.

موقف أوروبا

وأعلنت المفوضية الأوروبية أنها ستطلب توضيحا كاملا بشأن القرار، مؤكدة أن الاتفاقيات تبقى ملزمة، ولن تُفرض زيادات تتجاوز الحد الأقصى المتفق عليه سابقا وهو 15%. وكان التكتل الأوروبي، المكوّن من 27 دولة، قد أبرم اتفاقا تجاريا مع الولايات المتحدة في أغسطس من العام الماضي، يقضي بتحديد الرسوم الجمركية على صادراته إلى واشنطن عند سقف 15%.

وفي المقابل، سجل الحليفان الآسيويان اليابان وكوريا الجنوبية زيادة في متوسط الرسوم الجمركية المرجحة على صادراتهما إلى الولايات المتحدة بنسبة 0.4 نقطة مئوية و0.6 نقطة مئوية على التوالي، بعدما اتفقا سابقا على معدل 15%.

ويرى بعض الخبراء أن قرار المحكمة العليا خفف العبء الأكبر عن الدول التي تضررت بشدة من الرسوم المرتبطة بقانون سلطات الطوارئ الاقتصادية، بينما يشير آخرون إلى أنه قد يضر بالدول التي سارعت إلى التفاوض وقبول اتفاقيات مبكرة مع واشنطن.

وقال  الرئيس التنفيذي لمؤسسة سانت غالن للازدهار من خلال التجارة ومؤلف تقرير GTA، يوهانس فريتز، إن دولا مثل الصين والمكسيك وكندا واجهت رسوما خاصة بأمن الحدود، إلى جانب رسوم متبادلة اعتبارا من أبريل/نيسان 2025، بينما واجهت البرازيل والهند رسوما منفصلة بموجب قانون IEEPA.

وضع تفاوضي أصعب

وأوضح أن المحكمة العليا ألغت جميع هذه الرسوم، وليس فقط الرسوم المتبادلة، ما يعني أن الدول الأكثر تضررا من تطبيق القانون حصلت على أكبر قدر من التخفيف.

وأشار فريتز إلى أن الاتحاد الأوروبي وحلفاءه الآخرين، الذين اقتصر تأثير القانون عليهم إلى حد كبير على الرسوم المتبادلة، شهدوا انخفاضا أقل في الأعباء الجمركية.

أما الدول التي تفاوضت على معدل معاملة بالمثل بنسبة 10%، مثل المملكة المتحدة، وكذلك الدول التي تخضع للمعدل الأساسي البالغ 10% كسنغافورة وأستراليا والمملكة العربية السعودية، فمن المتوقع أن ترتفع معدلات التعريفة المرجحة تجاريا لديها، إذ سيتم استبدال تعريفات قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية برسوم جديدة تستند إلى المادة 122.

وفي المقابل، يرى مدير برنامج الجنوب العالمي في معهد كوينسي، سارانغ شيدور، أن الدول التي سارعت إلى إبرام اتفاقيات مع الولايات المتحدة بعد فرض الرسوم العام الماضي، وجدت نفسها في وضع تفاوضي أصعب.

دول قاومت الضغوط

وأضاف أن الدول التي قاومت الضغوط ولم تقدم تنازلات كبيرة، مثل البرازيل وغيرها، قد تشعر بقدر أكبر من الرضا إزاء نتائج موقفها التفاوضي.

وأيدت كبيرة الاقتصاديين لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في مؤسسة ناتيكس، أليسيا غارسيا هيريرو، هذا الطرح، مؤكدة أن الدول التي كانت تعاني من ارتفاع الرسوم ولم تتفاوض على تخفيضات كبيرة قد تكون المستفيد الأكبر من إعادة هيكلة التعريفات.

وأشارت إلى اليابان، التي خُفضت رسومها “المقابلة” إلى 15% مقابل تعهدها باستثمار 550 مليار دولار في الولايات المتحدة العام الماضي، مضيفة أن الحكومة اليابانية أكدت استمرار التزاماتها الاستثمارية بغض النظر عن قرار المحكمة العليا، بمعنى أنها تدفع مقابل الحصول على المعاملة نفسها التي يحصل عليها الآخرون.

aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA=

جزيرة ام اند امز

NL

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى