ليون تحت ضغط التطرف المزدوج.. تحالف مشبوه بين اليمين والإسلام السياسي
يثير تصاعد العنف السياسي في مدينة ليون الفرنسية القلق من تشابك التطرف اليمينية والإسلام السياسي.
وبحسب خبراء فرنسيين متخصصين في العلوم السياسية فإن ما تشهده مدينة ليون من تصاعد في العنف السياسي لا يمكن فصله عن تداخل مسارات التطرف، سواء المرتبط بأقصى اليمين أو بالتيارات المحسوبة على الإسلام السياسي، وفي مقدمتها جماعة الإخوان.
وأكد الخبراء أن تنامي نفوذ شبكات فكرية ذات مرجعية إخوانية في بعض الأوساط الجمعوية والدينية يساهم في تغذية مناخ الاستقطاب، حتى إن لم يكن مرتبطًا مباشرة بأعمال عنف، معتبرين أن هذا المناخ يوفر بيئة خصبة للتوترات على أساس الهوية التي تستثمرها مختلف التيارات المتشددة.
وقال أستاذ العلوم السياسية الفرنسي برنار روجيه المتخصص في دراسة الحركات الإسلامية والإسلام السياسي في أوروبا والشرق الأوسط، لـ”العين الإخبارية” إن “جماعة الإخوان في فرنسا تعتمد استراتيجية “التمكين الثقافي والاجتماعي” عبر العمل الجمعوي والتربوي، وهو ما يخلق فضاءات موازية تعزز خطابًا محافظًا يتعارض مع فلسفة العلمانية الفرنسية”.
وأوضح روجيه أن هذا التوجه لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة مع الدولة، لكنه يرسخ على المدى الطويل تصورًا انعزاليًا للهوية الدينية.
وأشار روجيه إلى أن تقارير رسمية رصدت في منطقة ليون عشرات الجمعيات التي توصف بأنها قريبة فكريًا من تنظيم “مسلمو فرنسا” مع وجود عدد من أماكن العبادة التي يُعتقد أنها تتبنى مرجعيات متأثرة بالفكر الإخواني.
واعتبر أستاذ العلوم السياسية الفرنسي أن خطورة هذا الحضور تكمن في “تطبيع خطاب الضحية والتمييز”، وهو خطاب تستثمره لاحقًا تيارات أكثر تشددًا لتبرير القطيعة مع المجتمع.
وأضاف روجيه أن التراخي في التعامل مع البنية الفكرية للإسلام السياسي يفتح المجال أمام صدامات غير مباشرة مع التيارات القومية المتشددة، حيث يتغذى اليمين الراديكالي من سردية الاختراق الإخواني للمجتمع الفرنسي”.
ورأى روجيه أن ليون تمثل نموذجًا واضحًا لهذا التفاعل المتبادل بين تطرفين يعززان بعضهما البعض.
من جانبه، قال الباحث في العلوم السياسية الفرنسي دومنيك رينيه والباحث بمعهد الدراسات السياسية في باريس لـ”العين الإخبارية” إن التفكير الاخواني يشكل منظومة أيديولوجية تسعى لإعادة تشكيل المجال العام وفق رؤية دينية محافظة، حتى لو تم ذلك بوسائل قانونية.
وأكد رينيه أن رصد هذا النفوذ في ليون لا يعني تجريم كل الفاعلين الدينيين، لكنه يستوجب يقظة مؤسساتية دائمة.
وأوضح رينيه أن انتشار مدارس خاصة ومراكز تكوين وجمعيات ثقافية ذات مرجعية محافظة قد يؤدي إلى تكوين شبكات اجتماعية مغلقة تعزز الانفصال الثقافي، ما يخلق بيئة توتر قابلة للاستغلال سياسيًا.
واعتبر رينيه أن هذا النمط من الانفصال الهادئ قد يكون أخطر من المواجهة المباشرة لأنه يتغلغل تدريجيًا في النسيج المحلي.
وأكد أن مواجهة هذا التأثير لا يجب أن تقتصر على المقاربة الأمنية، بل ينبغي أن تشمل تدعيم التعليم المدني، وتعزيز الشفافية في تمويل الجمعيات، وإعادة تأكيد مبادئ الجمهورية في الفضاء العام، محذرة من أن ترك المجال لخطابات الهوية الدينية أو القومية المتشددة سيؤدي إلى مزيد من الاستقطاب.
إرث اليمين الراديكالي في ليون
وتشير المعطيات التاريخية إلى أن ليون تعد منذ أكثر من قرن أحد أبرز معاقل اليمين الراديكالي في فرنسا، حيث شهدت نشاطًا مبكرًا لحركة “أكسيون فرنسيز” القومية الملكية منذ عام 1913، قبل أن تتجدد دينامية التيارات القومية المتشددة في المدينة خلال العقد الأخير.
وتؤكد تقارير إعلامية محلية تسجيل أكثر من 100 اعتداء عنيف نفذه ناشطون يمينيون متطرفون بين عامي 2010 و2025، استهدفت بشكل خاص ناشطين تقدميين وأقليات عرقية، ما يعكس اختلالًا في ميزان العنف السياسي داخل المدينة.
وتوضح عالمة الاجتماع إيزابيل سوميي أن ليون تمثل “مركزًا تاريخيًا لليمين الراديكالي”، مشيرة إلى أن جامعات المدينة، خصوصًا جامعة ليون الثالثة، لعبت دورًا في تشكيل كوادر فكرية وتنظيمية خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، بحسب إذاعة “إر.إف.إي” الفرنسية.
الإسلام السياسي في النقاش المحلي
وتكشف التقارير الحكومية الأخيرة عن رصد نحو 50 جمعية في منطقة ليون توصف بأنها قريبة فكريًا من تيار الإخوان، إضافة إلى الإشارة إلى 8 أماكن عبادة من أصل 94 في إقليم الرون يُعتقد أنها تتبنى مرجعيات متأثرة بهذا الفكر.
وتشير هذه المعطيات إلى تعقيد المشهد، إذ نفت إدارات عدد من المساجد والمؤسسات التعليمية أي ارتباط تنظيمي مباشر، بينما أكدت السلطات أن تعدد الفاعلين يجعل من الصعب تحديد طبيعة العلاقات بدقة.
ويعكس الجدل الدائر في ليون انقسامًا أوسع في فرنسا حول كيفية التعامل مع الإسلام السياسي، بين من يرى ضرورة تشديد الرقابة والصرامة القانونية، ومن يحذر من مخاطر التعميم ووصم الجاليات المسلمة.
تداخل المسارات: من الشارع إلى الأمن القومي
وتزامن تصاعد العنف اليميني في ليون مع تقارير عن إحباط مخطط هجوم إرهابي محتمل، ما أعاد طرح تساؤلات حول العلاقة بين الاستقطاب السياسي المحلي ومخاطر التطرف العنيف الأوسع.
وتؤكد التحليلات الأمنية أن تعدد الفاعلين، من جماعات يمينية منظمة إلى شبكات دينية محافظة وصولًا إلى أفراد متطرفين، يجعل المشهد معقدًا ويصعب احتواؤه بمعالجة أحادية.
وتبرز الحاجة، وفق خبراء، إلى استراتيجية شاملة تجمع بين الحزم الأمني وتعزيز سياسات الاندماج، ومكافحة خطاب الكراهية، وضمان شفافية العمل الجمعوي، بهدف كسر دائرة “التطرف المتبادل” التي باتت تهدد التوازن الاجتماعي في المدينة.
مدينة على مفترق طرق
وتضع التطورات الأخيرة مدينة ليون في قلب نقاش وطني حول مستقبل الأمن السياسي في فرنسا، في ظل صعود اليمين المتطرف، وتنامي الجدل حول الإسلام السياسي، وتزايد المخاوف من الإرهاب.
وتؤكد الوقائع أن استمرار العنف المتبادل يغذي سرديات متطرفة لدى مختلف الأطراف، حيث تتحول كل حادثة إلى أداة تعبئة سياسية تعمق الانقسام المجتمعي.
aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA= جزيرة ام اند امز



