تنسيق «إرهابي» وتقنيات متقدمة.. تحول استراتيجي بمالي يرفع كلفة المواجهة
«من حرب عصابات تقليدية إلى نمط حرب غير متماثلة يعتمد على التكنولوجيا منخفضة الكلفة وعالية التأثير»، هكذا بدا المشهد في مالي، التي مُني جيشها خلال الفترة الأخيرة، بضربات من جماعات إرهابية وانفصاليين، مما عمق جراح البلد الأفريقي.
ونفذ متمردو جبهة تحرير أزواد الأسبوع الماضي، ضربة بطائرة بدون طيار ضد قافلة للجيش المالي شمال البلاد، في حادث اعتبر مؤشراً خطيراً على تطور أدوات القتال لدى الجماعات المسلحة، وعلى تعقد المشهد الأمني في منطقة كيدال، حيث يتداخل نشاط الانفصاليين مع تحركات التنظيمات الإرهابية في إطار عدو مشترك هو الدولة المركزية.
الضربة تبناها المتمردون الانفصاليون في جبهة تحرير أزواد، مقرين بمقتل اثنين من عناصرها في العملية، بينهم محمد أغ الغباس، نجل أحد أبرز قادة التمرد في الشمال.
وفي اليوم ذاته، أعلنت جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» المرتبطة بتنظيم القاعدة مسؤوليتها عن استهداف القافلة نفسها عبر عبوة ناسفة بدائية الصنع. وتشير مصادر محلية إلى أن الهجومين أسفرا عن سقوط ما بين ستة إلى عشرة قتلى في صفوف القوات المالية، وتدمير عدد من المركبات العسكرية، فيما لم يصدر تعليق رسمي مفصل من الجيش المالي حول الحادثة.
وفي مناطق أخرى من البلاد، أعلنت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين السيطرة على موقع عسكري في مدينة جِنيه، بينما أكد الجيش المالي مقتل نحو عشرين إرهابياً في ضربات جوية قرب كي-ماكينا في إقليم سيغو.
تنسيق ظرفي
يقول الباحث المتخصص في شؤون الإرهاب، بكاري سامبي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة باماكو، والمتخصص في قضايا التطرف والأمن في منطقة الساحل في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن هناك تنسيقًا غير مباشر بين جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، إلا أنه لا يعني تحالفاً أيديولوجياً، بل هو «تقاطع مصالح مرحلي» ضد الجيش المالي وحلفائه الروس.
وأوضح أن «الانفصاليين يسعون إلى حكم ذاتي أو انفصال في الشمال، بينما تحمل الجماعات الإرهابية مشروعاً عابراً للحدود يقوم على إقامة كيان ديني مسلح».
وأشار إلى أن ما حدث في كيدال يعكس تحولاً نوعياً في طبيعة الصراع في مالي، موضحاً أن استخدام الطائرات الدرون من قبل جماعات انفصالية يؤكد «انتقال الصراع من حرب عصابات تقليدية إلى نمط حرب غير متماثلة يعتمد على التكنولوجيا منخفضة الكلفة وعالية التأثير»
إعادة تموضع
بدوره، قال نوهوم سيديبي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة باماكو، ومتخصص في قضايا الحكم المحلي، والتحولات السياسية، والنزاعات في شمال مالي، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن ضربة الطائرة الدرون تكشف عن مرحلة إعادة تموضع للقوى المسلحة في الشمال، حيث تحاول كل جهة إثبات حضورها العملياتي في ظل احتدام التنافس على النفوذ.
وأشار سيديبي إلى أن مقتل شخصيات بارزة داخل جبهة تحرير أزواد، حتى لو كان عرضيًا، قد يؤثر على التوازنات الداخلية للحركة، خصوصًا في منطقة كيدال التي تتميز بحساسية قبلية معقدة.
واعتبر أن «القيادات التقليدية والروابط العائلية تلعب دورًا محوريًا في إعادة تشكيل التحالفات داخل الحركات المسلحة»، ما يعني أن أي فراغ قيادي قد يفتح الباب أمام انقسامات أو تحالفات جديدة.
وأكد أن تكرار استهداف القوافل العسكرية يدل على استمرار هشاشة الوضع الأمني رغم الدعم الخارجي الذي تتلقاه باماكو، مضيفاً أن تعدد الفاعلين المسلحين، بين انفصاليين وإرهابيين ومجموعات محلية موالية للدولة، يخلق ساحة صراع متعددة الطبقات، حيث تتقاطع الحسابات القبلية والسياسية والعقائدية في آن واحد.
بدوره، قال الباحث السنغالي المتخصص في شؤون الحركات المسلحة عبدولاي ديالو في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن تكرار استهداف القوافل العسكرية يعكس هشاشة الوضع الأمني رغم الدعم الخارجي الذي تتلقاه باماكو.
وأشار إلى أن «تعدد الفاعلين المسلحين في الشمال المالي يخلق بيئة تنافسية، حيث تتقاطع العمليات أحياناً في الميدان حتى وإن لم تكن هناك قيادة مشتركة».
ورأى أن مقتل شخصيات بارزة داخل جبهة تحرير أزواد، حتى لو كان عرضياً، قد يؤثر على توازنات القيادة داخل الحركة، ويعيد تشكيل تحالفاتها المحلية، خاصة في منطقة كيدال ذات الحساسية القبلية والسياسية.
تصاعد التهديدات
واعتبر أن المشهد في مالي يشهد مرحلة جديدة تتسم بارتفاع مستوى الجرأة العملياتية، سواء من قبل الانفصاليين أو التنظيمات الإرهابية، مؤكدًا أن «الاعتماد على الطائرات الدرون والعبوات الناسفة يشير إلى سباق تسلح غير تقليدي في بيئة صحراوية مفتوحة، ما يزيد من تعقيد مهمة الجيش المالي».
وحذر من أن استمرار هذا النمط من العمليات قد يؤدي إلى مزيد من الاستقطاب، خاصة إذا تكررت الهجمات المشتركة أو المتزامنة ضد أهداف عسكرية، ما قد يكرس واقع «العدو المشترك» ويطيل أمد النزاع.
وأشار الباحث السينغالي إلى أن ضربة كيدال تشير إلى تداخل خطوط الصراع بين الانفصاليين والإرهابيين في شمال مالي، وتؤكد أن البلاد ما زالت تواجه تحدياً أمنياً متعدد الأبعاد، حيث تتقاطع المطالب السياسية المحلية مع الأجندات الإرهابية العابرة للحدود، في ظل بيئة إقليمية مضطربة وصراع مفتوح على النفوذ والسيطرة.
aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA= جزيرة ام اند امز



