تقنية

«سباق الهيمنة» في آسيا.. الصين تمسك المفاتيح وأمريكا تبحث عن مخرج


قبل نحو 15 عامًا، تعهّد الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما بإعادة توجيه ثقل الاستراتيجية الأمريكية نحو آسيا والمحيط الهادئ.

كان الهدف واضحًا، هو منع الصين من إعادة تشكيل النظام الإقليمي عبر مزيج من الردع العسكري، والانخراط الاقتصادي، ودعم الحوكمة الرشيدة.

لكن وفق تحليل لـ«فورين أفيرز»، فإنه بعد أكثر من عقد، تبدو الحصيلة مختلفة تمامًا، فبدل أن تعزز واشنطن موقعها في آسيا، اتسعت الفجوة بين وعودها وقدرتها على التنفيذ، وفي عواصم المنطقة لم يعد السؤال: «متى سيأتي التحول؟» بل أصبح: «إلى أي مدى ستتراجع ؟».

فجوة بين الالتزامات والقدرة

تقوم السياسة الخارجية الناجحة على التوازن بين الالتزامات والقدرات، إلا أن واشنطن في آسيا وقعت في ما يُعرف بـ«فجوة ليبمان»، أي ما يعني «أهداف واسعة لا تدعمها موارد كافية».

فبينما أكدت الإدارات المتعاقبة — من أوباما إلى الرئيس الحالي دونالد ترامب — أهمية آسيا، لم تُترجم هذه التصريحات إلى استثمارات اقتصادية وسياسية مستدامة.

ومع مرور الوقت، بدأت التعهدات الأمريكية تفقد مصداقيتها، ما يضعف الردع ويغري الخصوم باختبار الحدود.

انهيار العمود الاقتصادي

كانت «الشراكة عبر المحيط الهادئ» حجر الزاوية في الرؤية الاقتصادية للتحول. لكنها سقطت سياسيًا في الداخل الأمريكي، قبل أن تنسحب منها إدارة ترامب الأولى عام 2017.

ولم تعُد الإدارات اللاحقة إلى الاتفاق، بل استمرت في سياسات حمائية ورسوم جمركية أضعفت صورة الولايات المتحدة كشريك تجاري موثوق.

في المقابل، عززت الصين حضورها عبر مبادرات استثمارية ضخمة وربط اقتصادي عميق مع جنوب شرق آسيا وجنوب آسيا.

ومع غياب بديل أمريكي جذاب، تميل دول عديدة إلى توثيق علاقاتها مع بكين — ليس بدافع أيديولوجي، بل براغماتيًا.

تآكل خطاب الحوكمة

التحول لم يكن عسكريًا فقط؛ فقد رُوّج له أيضًا باعتباره دعمًا للديمقراطية وحقوق الإنسان، غير أن هذا الخطاب واجه مقاومة في دول آسيوية ذات أنظمة سياسية متنوعة.

ثم جاء التحول المعاكس في ولاية ترامب الثانية، حيث تراجع التركيز على حقوق الإنسان، وتبنّت واشنطن سياسات اقتصادية متشددة حتى ضد حلفائها.

النتيجة كانت مزيدًا من الشكوك في نوايا الولايات المتحدة، وتراجعًا ملحوظًا في صورتها الإيجابية في دول رئيسية مثل اليابان وكوريا الجنوبية وإندونيسيا.

الأمن وحده لا يكفي

مع انهيار العمودين الاقتصادي والسياسي، بقي الأمن هو الركيزة الوحيدة الفعالة للتحول.

وعززت واشنطن تعاونها مع اليابان والفلبين وأستراليا وكوريا الجنوبية، وركّزت استراتيجيتها الدفاعية على ردع أي تحرك صيني ضد تايوان.

لكن حتى هذا التركيز بات أضيق من السابق، إذ حددت استراتيجية الأمن القومي لعام 2025 نطاق المصالح الأمريكية عمليًا في «سلسلة الجزر الأولى» — الممتدة من اليابان مرورًا بتايوان وصولًا إلى الفلبين.

هذا التراجع غير المعلن يترك أجزاء واسعة من جنوب آسيا وجنوب شرق آسيا خارج الأولويات الأمريكية، ما يفتح المجال أمام الصين لتعزيز نفوذها السياسي والاقتصادي وربما العسكري.

اختبار الردع

وتكثّف الصين تحركاتها في بحر الصين الجنوبي وحول تايوان، مستفيدة من إدراكها للفجوة بين الخطاب الأمريكي والقدرة الفعلية على الرد.

ومع تركيز واشنطن على تايوان تحديدًا، قد تشعر دول أخرى بأن التزاماتها أقل أولوية.

وأي تراجع أعمق — نحو «سلسلة الجزر الثانية» — قد يدفع دولًا كالفلبين أو حتى كوريا الجنوبية إلى إعادة تقييم تحالفاتها، أو التفكير في خيارات ردع مستقلة، بما في ذلك النووية.

خيارات صعبة أمام واشنطن

ووفق تحليل فورين أفيرز فإن أمام الولايات المتحدة 3 مسارات هي: 

استعادة التحول الكامل عبر استثمارات اقتصادية وسياسية ضخمة — وهو خيار يبدو غير واقعي سياسيًا وماليًا.

التراجع الأعمق إلى خطوط دفاع بعيدة — وهو خيار محفوف بالمخاطر وقد يسرّع تمدد الصين.

التركيز على «سلسلة الجزر الأولى» مع تعزيز التحالفات الدفاعية الحالية — وهو الخيار الأكثر ترجيحًا، رغم محدوديته.

لكن حتى هذا المسار يتطلب إنفاقًا دفاعيًا أكبر، وتنسيقًا أوثق مع الحلفاء، ووضوحًا أكبر بشأن الالتزامات — وهي عناصر ليست مضمونة في ظل الخلافات الداخلية الأمريكية.

ورغم أن الطموح الأمريكي كان تثبيت قيادته في آسيا ومنع أي قوة من إعادة رسم قواعد اللعبة، غير أن تفكك التحول — خاصة في بعديه الاقتصادي والسياسي — ترك المجال للصين لتحديد إيقاع المنافسة.

الهيمنة الصينية ليست حتمية، فبكين قد تبالغ في تقدير قوتها وترتكب أخطاء استراتيجية. لكن في اللحظة الراهنة، تبدو بكين ممسكة بأوراق ضغط أكثر مما كانت عليه قبل عقد.

وبعد تراجع هدف «التحول نحو آسيا» بصيغته الأصلية، لم يعد السؤال ما إذا كانت الولايات المتحدة ستنخرط بعمق في المنطقة، بل كيف ستدير تراجعها دون أن يتحول إلى انهيار في الردع — ودون أن تترك حلفاءها منفردين.

ومهما كانت عيوب التراجع إلى «سلسلة الجزر الأولى»، فإنه يبدو السيناريو الأرجح في السنوات المقبلة.

التحدي لا يكمن فقط في رسم حدود هذا التراجع، بل في كيفية تدعيم خط دفاعي هشّ للحفاظ على الردع أطول مدة ممكنة.

وسيكون على الحلفاء والشركاء الممتدين على طول هذه السلسلة أن يمتلكوا من القوة والثقة ما يمكّنهم من العمل مع الولايات المتحدة لموازنة الصين، حتى في ظل غياب استراتيجية أمريكية اقتصادية وسياسية متكاملة في المنطقة.

لذلك، فإن النجاح لن يُقاس فقط بحجم الإنفاق العسكري الأمريكي، بل بقدرة واشنطن على إدارة التعقيدات الجيوسياسية الإقليمية بحساسية ودقة.

تحالفات مترابطة أم شراكات متفرقة؟

سيجد صانعو القرار في واشنطن أنفسهم أمام خيار بنيوي، هل تُبنى شبكة أمنية آسيوية مترابطة، أم يُكتفى بشراكات دفاعية ثنائية منفصلة؟ إدارة جو بايدن دفعت باتجاه تكامل أكبر بين الحلفاء، بينما مال دونالد ترامب إلى تفضيل العلاقات الثنائية التي تمنح واشنطن نفوذًا مباشرًا أكبر.

غير أن أي صيغة—حتى غير الرسمية منها—تتطلب استثمارًا سياسيًا وعسكريًا وماليًا كبيرًا، سواء من الولايات المتحدة أو من العواصم الآسيوية.

والتحديات معروفة: إرث تاريخي مثقل بين بعض الدول، وقيود قانونية على العمل العسكري خارج الحدود، خشية من الانجرار إلى نزاعات لا ترغب فيها، ومخاوف دائمة من رد الفعل الصيني.

ومع ذلك، من دون تعاون أعمق في الصناعات الدفاعية وتكامل عملياتي فعلي بين الجيوش، سيبقى أي نظام دفاعي على طول «سلسلة الجزر الأولى» عرضة للاهتزاز.

معضلة الانتشار النووي

والسؤال الأكثر حساسية الذي يلوح في الأفق، هو كيف ستتعامل واشنطن مع اهتمام بعض حلفائها بامتلاك قدرات نووية؟ إذا تراجعت الالتزامات الأمريكية أو سُحبت قوات تقليدية، فقد يرتفع منسوب التفكير النووي في طوكيو وسول.

فاليابان وكوريا الجنوبية قد تنظران إلى الردع النووي الذاتي كخيار ضروري إذا شعرتا بأن المظلة الأمريكية لم تعد بالصلابة السابقة.

رفض النقاش لن يُنهيه، خاصة في كوريا الجنوبية المحاطة بقوى نووية. بل إن بعض الأصوات في واشنطن قد ترى في الانتشار النووي الحليف وسيلة لمعادلة التفوق التقليدي الصيني أو ردع كوريا الشمالية.

من هنا تبرز فكرة ترتيبات «المشاركة النووية» كحل وسط قد يطمئن الحلفاء من دون فتح الباب أمام سباق تسلح إقليمي واسع.

اختبار الالتزامات وحدود الوضوح

كلما تراجعت واشنطن خطوة، ازداد احتمال اختبار بكين لما تبقى من مواقع ونقاط تمركز أمريكية.

فالقوات الصينية تكثف تحركاتها حول تايوان، وتزيد نشاطها قرب اليابان والفلبين، وتتقدم أكثر في غرب المحيط الهادئ.

وحتى الآن، كانت الولايات المتحدة أكثر وضوحًا تجاه حماية أقرب حلفائها، لكنها أبقت الغموض قائمًا حيال شركاء آخرين.

غير أن الوضوح سيف ذو حدين. فتعريف ما يدخل ضمن نطاق الدفاع الأمريكي—خاصة الجزر النائية المتنازع عليها—يعني التزامًا بالتصعيد عند أي انتهاك.

وفي حالات تكون فيها واشنطن مستعدة فعلًا للرد الحازم، يكون الوضوح رادعًا فعالًا. لكن حين لا تتوافر الإرادة الكاملة للتصعيد، قد يتحول الوضوح إلى عبء.

انسحاب تدريجي أم قفزة واحدة؟

وبقى السؤال الإجرائي، هل يتم التراجع الأمريكي تدريجيًا أم دفعة واحدة؟ الانسحاب البطيء قد يمنع صدمة فورية، لكنه يزرع شكًا دائمًا لدى الحلفاء حول من سيكون «التالي».

أما التغيير السريع فقد يمنع تآكلًا طويل الأمد، لكنه قد يُحدث اضطرابًا مفاجئًا إذا لم تُمنح الدول المعنية وقتًا للتكيف.

في كلتا الحالتين، ستحتاج واشنطن إلى إعادة ضبط توقعات حلفائها، وهو مسار لن يخلو من التوتر. لكن إعادة تموضع واضحة وحاسمة قد تكون أقل كلفة سياسيًا من سلسلة إشارات مترددة توحي بتراجع مستمر.

غير أن أي تعديل يجب أن يسبقه تشاور هادئ مع القادة الآسيويين، كي يتمكنوا من تكييف سياساتهم وإقناع مجتمعاتهم بجدوى المسار الجديد.

نهاية التحول وبداية الواقعية

كان الخيار الأمثل أن تُقرن الولايات المتحدة تعزيزها العسكري بانخراط اقتصادي عميق ودعم فعلي للحوكمة الرشيدة. لكن ذلك «التحول الكامل» نحو آسيا أصبح أقرب إلى فرضية نظرية.

أما النسخة الناقصة—بأهداف أمنية واسعة بلا أدوات اقتصادية وسياسية موازية—فلا تبدو قابلة للاستدامة، بل تُخاطر بفشل ردعي قد تكون كلفته باهظة.

وحين تحدث فوميو كيشيدا، رئيس وزراء اليابان آنذاك، عام 2024 عن «تيار خفي من الشك الذاتي» داخل الولايات المتحدة بشأن دورها العالمي، كان يصف تحولًا نفسيًا.

ووفق تحليل فورين أفيرز، فإن هذا التيار يبدو اليوم أشبه بموجة عاتية تضرب حسابات آسيا بأكملها، والسؤال لم يعد ما إذا كانت واشنطن قادرة على قيادة المنطقة كما في السابق، بل كيف ستُدير تراجعها بطريقة لا تترك فراغًا تملؤه بكين بالكامل.

وقد لا تكون الاستراتيجية الواقعية كافية لاحتواء الصين، لكنها باتت الخيار الوحيد المتاح، وبعد تعثر الطموحات الكبرى، لم يعد أمام الولايات المتحدة سوى تقليص الفجوة بين التزاماتها وقدراتها—قبل أن تتحول هذه الفجوة إلى نقطة انهيار.

aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA= جزيرة ام اند امز NL

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى