الأقليات تصنع الفارق.. طفرة تاريخية في تأسيس الشركات الأمريكية بعد كورونا
شهدت الولايات المتحدة منذ جائحة كورونا واحدة من أكبر موجات تأسيس الشركات في تاريخها الحديث، ووفقا لتقرير نشرته مجلة الإيكونوميست، تحولت الأزمة الصحية والاقتصادية إلى نقطة انطلاق غير متوقعة لروح ريادة الأعمال، خاصة بين أبناء الأقليات العرقية.
ويجسّد تقرير المجلة قصة كريس هيل، مؤسسة شركة الحرف اليدوية للألغاز “دوب بيسز” (Dope Pieces)، هذا التحول بوضوح. فقد أطلقت هيل مشروعها عام 2018، لكنه لم يحقق الانطلاقة الحقيقية إلا بعد فترات الإغلاق المرتبطة بالجائحة، عندما ارتفع الطلب على الأنشطة المنزلية وأصبح الناس أكثر استعداداً لتجربة منتجات جديدة.
وتشير بيانات مكتب الإحصاء الأمريكي إلى تسجيل نحو 5.7 مليون طلب لتأسيس شركات جديدة في عام 2025 وحده، وهو رقم قياسي يعكس استمرار زخم ريادة الأعمال حتى بعد انتهاء الأزمة الصحية.
وتكشف استطلاعات سوق العمل أن نسبة العاملين لحسابهم الخاص في الولايات المتحدة ارتفعت منذ عام 2019 من 9.4% إلى 9.8%، ما يعادل نحو 1.3 مليون رائد أعمال جديد.
لكن المثير أن هذه الزيادة لم تتوزع بالتساوي بين الفئات العرقية. فبينما بقيت معدلات العمل الحر شبه مستقرة بين الأمريكيين البيض، شهدت ارتفاعاً ملحوظاً بين المواطنين السود واللاتينيين، إذ ارتفعت نسبة العمل الحر لدى السود بنحو نقطة مئوية، وقفزت بين ذوي الأصول اللاتينية بما يقارب نقطتين مئويتين.
ويرى باحثون أن الجائحة خلقت بيئة مثالية لبدء المشاريع نتيجة عوامل عدة، أبرزها تسريح ملايين العمال، وارتفاع المدخرات بسبب انخفاض الإنفاق، إلى جانب برامج التحفيز الحكومي وانخفاض أسعار الفائدة، فضلًا عن انتشار العمل من المنزل الذي أتاح الفرصة لتطوير مشروعات جانبية.
وتشير دراسات أكاديمية، من بينها أبحاث أجرتها جامعة بوسطن، إلى أن معدلات تأسيس الشركات ارتفعت بشكل أسرع في الأحياء التي يقطنها عدد أكبر من السكان السود. كما أظهر تحليل صادر عن معهد بروكينجز أن نسبة العائلات السوداء المالكة لأعمال ارتفعت من 5% إلى 8% بين عامي 2019 و2022، بينما زادت نسبة اللاتينيين من 4% إلى 7%.
ويعزو بعض الخبراء هذا الاتجاه إلى ما يُعرف بتأثير “جورج فلويد”، حيث أدى مقتله عام 2020 إلى موجة تضامن اجتماعي واقتصادي واسعة مع المجتمعات السوداء، انعكست في زيادة دعم المستهلكين والاستثمارات والقروض الموجهة إلى أصحاب المشاريع من الأقليات.
وفي المقابل، يرى اقتصاديون أن جزءًا من هذا النمو لا يعكس فقط الفرص الجديدة، بل أيضًا الضغوط الاقتصادية. فقد كانت الأقليات من أكثر الفئات تضرراً من تداعيات الجائحة، حيث بلغت معدلات البطالة بين الأمريكيين السود في نهاية 2020 نحو ضعف نظيرتها لدى البيض.
ويشير باحثون في جامعة يوتا إلى أن كثيرًا من المشاريع الجديدة ظهرت بدافع “الضرورة”، عندما اضطر أفراد إلى العمل الحر بعد فقدان وظائفهم، وليس نتيجة تخطيط ريادي طويل الأجل.
ورغم ذلك، يرى خبراء أن التفسير الأكثر إقناعًا يتمثل في وجود “طاقة كامنة” داخل المجتمعات التي واجهت تاريخيًا صعوبات في الحصول على التمويل. وتشير أبحاث مشتركة بين معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجامعة كولومبيا إلى أن هذه المجتمعات كانت تعاني سابقًا من قيود كبيرة على الوصول إلى رأس المال، لكنها بدأت مؤخرًا في الاستفادة من فرص تمويل أوسع.
ورغم الطفرة الكبيرة في تأسيس الشركات، فإن تأثيرها على سوق العمل لا يزال محدودًا. إذ تظهر البيانات أن الشركات الناشئة التي يقل عمرها عن خمس سنوات توظف من طاقتها نحو 14% فقط من العمال، بينما لا تتجاوز مساهمة الشركات الأحدث عامًا واحدًا نسبة 3%.
كما تراجع متوسط عدد الموظفين في الشركات الناشئة الحديثة، ما يعكس تحولًا نحو نماذج أعمال أصغر وأكثر اعتمادًا على التكنولوجيا والعمل الفردي.
ورغم أن طفرة الشركات الصغيرة في الولايات المتحدة قد لا تحل أزمة البطالة بالكامل، فإنها تشير إلى تحول طويل الأمد نحو اقتصاد أكثر اعتمادًا على المبادرات الفردية، مع صعود واضح لدور الأقليات في تشكيل مستقبل ريادة الأعمال الأمريكية.
aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA= جزيرة ام اند امز



