تقنية

الصين وأفريقيا.. شراكة ترسخ معادلة «النفوذ المزدوج» (خبراء)


في الوقت الذي تتجه فيه أنظار دول أفريقية بشكل متزايد نحو الصين وشركاء تجاريين آخرين، التقطت بكين طرف الخيط، وفتحت ذراعيها لدول القارة السمراء بقرار جديد.

فبينما فرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسوما جمركية باهظة على مختلف دول العالم العام الماضي، أعلن نظيره الصيني شي جين بينغ، إلغاء الرسوم الجمركية على الواردات من جميع الدول الأفريقية باستثناء دولة واحدة، في قرار من المقرر أن يبدأ اعتبارا من الأول من مايو/أيار المقبل.

قرار قال عنه الرئيس الصيني، إنه «سيوفر بلا شك فرصا جديدة للتنمية الأفريقية»، معلنا عن هذا التاريخ خلال اجتماع قادة القارة في إثيوبيا في القمة السنوية للاتحاد الإفريقي.

ذلك القرار يأتي متسقا مع خطة عمل بكين لمنتدى التعاون الصيني الأفريقي للفترة 2025-2027 والتي تحتوي على التزامات أمنية أكثر من أي خطة عمل سابقة للمنتدى، مما يؤكد سعي بكين لأن تصبح فاعلاً أمنياً رئيسياً في أفريقيا إلى جانب نفوذها الاقتصادي.

سر التوقيت

يقول الباحث في العلاقات الدولية، الدكتور جيرار ديب، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن القرار الصيني يأتي في توقيت مناسب بالنسبة للرؤية الاستراتيجية التي تعتمدها بكين لكسب ثقة دول أفريقيا، وخاصة بعدما شهدته القارة السمراء من تنافس جيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين وروسيا تحديدا.

وأوضح الباحث في العلاقات الدولية، أن القرار يأتي -كذلك- في إطار فرض واقع تعاوني جديد تسعى من خلاله بكين إلى تمتين حضورها في أفريقيا لما يحقق لها ذلك من مكاسب في إعادة هيكلة النظام العالمي، بعدما لمست -كما غيرها- تعاطيا فوقيا أمريكيا تمثل في قرارات من الرئيس دونالد ترامب مرتبطة باستخدام الرسوم الجمركية كوسيلة عقابية لتحديد مكاسب على حساب الدول.

وأشار إلى أن الصين تجد أن هذا القرار يفسح لها المجال للدخول إلى هذه الدول من بوابة الصداقة في الوقت الذي تشهد فيه أكثر من دولة بأفريقيا كبوركينا فاسكو أو النيجر أو غيرها انقلابات على دول الاستعمار السابقة لاسيما فرنسا وأمريكا، وبالتزامن مع لمس تلك الدول ضعف الدور الروسي لانشغاله بعمليته العسكرية في أوكرانيا

«أمام هذا الواقع وجدت الصين أنها أمام فرصة تاريخية تستطيع قلب الموازين لصالح اقتصادها ولا سيما لصالح عملتها (اليوان) لتعزيز حضوره كعملة احتياط أساسية في الوقت الذي يشهد الدولار على موجات من الزعزعة، مما أدى إلى انخفاض ثقة الاحتياط عام 2025 إلى 53%»، يضيف الباحث في العلاقات الدولية.

سياق حساس

من جانبه، قال الخبير في العلاقات الدولية ومدير جامعة القدس الدكتور أسعد العويوي يأتي الإعلان في سياق سياسي واقتصادي حساس، يتسم بإعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية وتصاعد التوترات التجارية الدولية. ويُنظر إلى القرار باعتباره رسالة صينية واضحة تؤكد التزامها بتعزيز شراكاتها مع الدول الأفريقية، وتوسيع شبكة علاقاتها التجارية خارج الإطار التقليدي.

تمثل هذه الخطوة الصينية أكثر من مجرد إعفاء جمركي؛ فهي مؤشر على مرحلة جديدة من التقارب الاقتصادي بين الصين وأفريقيا، قد تعيد رسم ملامح التوازنات التجارية في السنوات المقبلة.

رد فعل؟

في السياق نفسه، قال الدكتور محمد الحبابي المحلل سياسي والخبير في العلاقات الدولية، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن قرار الصين إلغاء الرسوم الجمركية مع بلدان أفريقية، رد على رفع أمريكا فرض رسوم جمركية على بعض الدول، ما اعتبر تجاوزًا للحد المقبول والمقنع في الجمارك بين دول العالم.

وأوضح الحبابي، أن قرار الصين، باتجاه 53 دولة أفريقية، محاولة منها للترويج لصناعاتها والحصول -كذلك- على المعادن النفيسة التي تحتاج إليها في تدشين تلك الصناعات، فضلا عن أن ذلك القرار يدعم مبادرة طريق الحرير الصينية، والتي تمتد لتشمل دولا أفريقيا.

ومبادرة طريق الحرير، هي استراتيجية تنموية تعتمدها الحكومة الصينية وتتضمن تطوير البنية التحتية والاستثمارات في 152 دولة ومنظمة دولية في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية وأفريقيا.

بدوره، قال الدكتور طارق فهمي الخبير في العلاقات الدولية، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن القرار الصيني، أزعج الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي؛ لأن بكين الآن تسيطر على المعادن الثمينة والنفط والغاز في أفريقيا، وهي تقدم خدمات عدة للقارة السمراء من خلال بناء الطرق، والجسور، والمباني، والمصانع، والقطارات؛ وهي أمور لوجستية تساعد الصين في نقل بضائعها من أفريقيا وإليها، ومن ثم إلى قارات العالم الأخرى.

وأوضح فهمي، أن الصين تعلم أن المستقبل في أفريقيا، وتعلم أن المعادن الثمينة التي تدخل في صناعة التكنولوجيا الحديثة موجودة في أفريقيا، لذلك هي تسيطر الآن على هذا المشهد.

انعكاسات القرار

قرار يجعل من الصين تفرض وجودها في القارة الأفريقية، وخاصة مع انحسار نفوذ دول الاستعمار السابقة، بحسب الحبابي، الذي أضاف أن بكين بات لها نفوذ أمني -كذلك- في القارة السمراء، عبر قواعد في دول أفريقية عدة، بحسب الدكتور محمد الحبابي المحلل سياسي والخبير في العلاقات الدولية.

وأشار إلى أن تطلعات الصين كبيرة في أفريقيا، فهي تريد أن تكون الدولة الأولى والأكثر تواجدا في القارة السمراء، عبر استثمارات، وخدمات وبنية تحتية، وقروض تنموية مما يسمح لها بالاستفادة من المعادن الثمينة التي تزخر بها أفريقيا.

وفيما قال الدكتور طارق فهمي المحلل السياسي، إن الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي يحاولان العودة إلى أفريقيا، سبقتهم الصين بخطوات كبيرة جداً، مشيرًا إلى أنه من خلال هذه الإعفاءات الجمركية هي تزيد من هيمنتها الاقتصادية وتفتح أسواقاً جديدة لبضائعها، وفي نفس الوقت تضمن تدفق المواد الخام لمصانعها في الصين.

وتابع الدكتور طارق فهمي: نحن أمام صراع اقتصادي كبير، والرابح الأكبر فيه حتى الآن هي الصين، التي استطاعت أن توظف قدراتها المالية والصناعية في بناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الدول الأفريقية، وهذا ما نلاحظه في النمو الكبير في حجم التبادل التجاري بين الصين وأفريقيا الذي يتجاوز بمراحل حجم التبادل التجاري بين أفريقيا وأمريكا أو حتى الاتحاد الأوروبي.

وأشار إلى أن «توجه الصين لتطبيق الرسوم الجمركية على الواردات جاء في ظل تصاعد النزعات الحمائية الدولية، وتصاعد حالات عدم اليقين في التجارة -في حالة من الضبابية فيها- وخصوصاً بعد الحرب التجارية التي بدأت أمريكا العمل عليها».

وبالتالي، فإن الصين تسير على مواصلة الانفتاح والدفاع عن نظام تجاري متعدد الأطراف قائم على فكرة حرية التجارة، ومن هذا المنطلق، تمثل القارة الأفريقية شريكاً تجارياً مهماً للصين في هذا الإطار، وبذلك تعزز حضورها بصورة كبيرة، يقول طارق فهمي.

تحول مهم

من جانبه، قال الخبير في العلاقات الدولية ومدير جامعة القدس الدكتور أسعد العويوي، إن الخطوة الصينية وصفت بأنها تحول مهم في مسار العلاقات الاقتصادية بين الجانبين، وتعكس توجّهًا صينيًا متزايدًا لتعميق الشراكة مع القارة السمراء.

فالقرار، الذي يدخل حيّز التنفيذ في مايو/أيار 2026، يهدف إلى فتح السوق الصينية بشكل أوسع أمام المنتجات الأفريقية، ومنحها قدرة تنافسية أكبر داخل ثاني أكبر اقتصاد في العالم، يقول الخبير في العلاقات الدولية.

وأشار إلى أنه يأتي -كذلك- في ظل نمو قياسي في حجم التبادل التجاري بين الصين وأفريقيا خلال السنوات الأخيرة، ما جعل بكين الشريك التجاري الأول للقارة.

أبعاد اقتصادية واستراتيجية

واعتبر الخبير في العلاقات الدولية ومدير جامعة القدس الدكتور أسعد العويوي، أن الخطوة تتجاوز بعدها التجاري المباشر؛ إذ تعكس رغبة صينية في ترسيخ نموذج «التعاون جنوب–جنوب»، وتعزيز حضورها الاقتصادي في أفريقيا في وقت تتصاعد فيه المنافسة مع قوى دولية أخرى على النفوذ داخل القارة.

وأشار إلى أن قرار الإعفاء الجمركي سيساهم في دعم القطاعات الإنتاجية الأفريقية، ليس فقط في تصدير المواد الخام، بل أيضًا في تشجيع التصنيع المحلي وزيادة القيمة المضافة للمنتجات قبل دخولها السوق الصينية.

الأمن قبل الاقتصاد؟ التحول اللافت في مقاربة الصين لأفريقيا

يقول الخبير في العلاقات الدولية ومدير جامعة القدس الدكتور أسعد العويوي، إن التعاون بين الصين والدول الأفريقية لم يعد محصورًا في التجارة والاستثمار والبنية التحتية؛ ففي أحدث دوراته، أظهر منتدى التعاون الصيني الأفريقي تركيزًا غير مسبوق على الالتزامات الأمنية، من خلال توسيع التدريبات المشتركة، ودعم قدرات الجيوش والشرطة، وتعزيز التعاون في مكافحة الإرهاب والقرصنة.

وأوضح أن «هذا التحول مرشح لإعادة تشكيل موازين التأثير الدولي في القارة خلال السنوات المقبلة، في ظل سباق متزايد على الشراكات والموارد والنفوذ».

«هذا التحول -كذلك- لا يعكس تغيرًا مفاجئًا في السياسة الصينية بقدر ما يمثل تطورًا طبيعيًا لمسارها في القارة»، يضيف العويوي، مشيرًا إلى أنه مع تضخم الاستثمارات الصينية واتساع انتشار شركاتها ومواطنيها في أفريقيا، باتت حماية المصالح الاقتصادية أولوية استراتيجية، ومن هنا أصبح الأمن مكمّلًا مباشرًا للتنمية، لا عنصرًا منفصلًا عنها.

وعندما انطلق منتدى التعاون الصيني الأفريقي عام 2000، كانت الصين تمتلك أقل من 5% من مخزونات الأسلحة الأفريقية، ولم تقبل سوى أقل من 200 ضابط أفريقي في مدارسها العسكرية، ولم تكن تجري أي تدريبات عسكرية في أفريقيا. أما اليوم، فتُدرّب الصين نحو 2000 ضابط أفريقي سنوياً، وأصبحت من أبرز موردي الأسلحة في القارة، وتشغل نحو 70% من الدول الأفريقية حالياً مركبات مدرعة صينية الصنع.

وتابع: تروّج بكين لما تسميه مبادرة الأمن العالمي، وهو مفهوم يقوم على الأمن الشامل الذي يربط بين الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية واحترام سيادة الدول، في طرح يجد صدى لدى عدد من الحكومات الأفريقية التي تفضّل شراكات لا تقترن بشروط سياسية صارمة.

وأشار إلى أن التركيز الأمني يعكس -أيضًا- إدراكًا صينيًا لتحولات البيئة الدولية، حيث تتصاعد المنافسة بين القوى الكبرى داخل القارة، مؤكدًا أنه من خلال توسيع تعاونها العسكري والأمني، تسعى بكين إلى تثبيت حضور طويل الأمد يتجاوز العقود التجارية إلى شراكات استراتيجية أعمق، تعزز كذلك الدعم السياسي المتبادل في المحافل الدولية.

تعاون أمني

التعاون الصيني الأفريقي لم يكن اقتصاديا فحسب، بل شمل الحضور الأمني -كذلك-، فبحسب الباحث في العلاقات الدولية، الدكتور جيرار ديب، فإنه في ضوء ما تشهده القارة السمراء من حالة عدم استقرار في بعض دولها وانتشار الفوضى تحت مسميات مختلفة؛ منها عودة التنظيمات الإرهابية، فإن الصين تعمل على إغلاق الباب أمام أي رهان أمريكي على استغلال هذه الفوضى، بالتنسيق مع الحكومات الأفريقية، عبر تعزيز الأمن.

«ليس فقط من خلال المناورات، بل -أيضا- عبر التوسع العسكري من خلال الموانئ والمرافق الحيوية، لقطع الطريق أمام العودة الغربية، ولفرض واقع صيني يشكل عقبة أمام أي مغامرة غير محسوبة»، يقول الباحث في العلاقات الدولية جيرار ديب.

ولقد ازدادت التدريبات المشتركة للصين مع القوات الأفريقية – والتي بلغ عددها 20 تدريباً منذ عام 2006 – من حيث الحجم والتعقيد في السنوات الأخيرة، كما يتضح من التدريبات البرية والبحرية التي أجرتها تنزانيا والصين وموزمبيق في أغسطس/آب 2024 والتدريبات المشتركة للقوات الجوية الصينية والمصرية في مايو/أيار 2025. وكانت هذه على التوالي أكبر عمليات نشر للقوات البرية والبحرية والجوية الصينية في أفريقيا على الإطلاق.

كما نشرت الصين 47 مجموعة مهام مرافقة في تناوب مستمر في خليج عدن وأجرت 280 تبادلاً دفاعياً منذ عام 2007. وقد جمع التبادل الذي جرى في مايو/أيار 2025، 100 ضابط أفريقي من ذوي الخبرة المبكرة من 40 دولة في جولة تعريفية لمدة 10 أيام استضافتها جامعة الدفاع الوطني التابعة لجيش التحرير الشعبي.

ولقد ازدادت التدريبات المشتركة للصين مع القوات الأفريقية – والتي بلغ عددها 20 تدريباً منذ عام 2006 – من حيث الحجم والتعقيد في السنوات الأخيرة، كما يتضح من التدريبات البرية والبحرية التي أجرتها تنزانيا والصين وموزمبيق في أغسطس/آب 2024 والتدريبات المشتركة للقوات الجوية الصينية والمصرية في مايو/أيار 2025. وكانت هذه على التوالي أكبر عمليات نشر للقوات البرية والبحرية والجوية الصينية في أفريقيا على الإطلاق.

aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA= جزيرة ام اند امز NL

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى