من التبعية لواشنطن للوقوف على قدميها.. ميونخ 2026 ميلاد أوروبا الجديدة
في مؤتمر ميونخ للأمن، خفف المسؤولون الأمريكيون نبرة خطابهم دون تغيير رسالتهم: على أوروبا أن تتحمل مسؤولياتها، في موقف بات قادة أوروبيون يتفقون معه.
فبعد عام من التدهور في العلاقة عبر «الأطلسي»، والتي اتسمت بالمواجهة الاقتصادية والأيديولوجية، والازدراء والإهانة، حاولت الولايات المتحدة هذا العام خلال التجمع الأمني الأوروبي السنوي الرئيس الذي انطلق يوم الجمعة تخفيف التصعيد، فـ«لم تُسجّل أي إهانات، وأظهر المسؤولون الأمريكيون ما وصفوه بالواقعية البراغماتية»، بحسب صحيفة نيويورك تايمز.
لكن هناك أدلة قليلة على أن السياسة الأمريكية قد تغيرت. تحدث كل من القادة الأوروبيين والأمريكيين يوم الجمعة عن نظام دولي تغيّر بشكل لا رجعة فيه منذ عودة الرئيس ترامب إلى السلطة العام الماضي.
ودعا المسؤولون من كلا جانبي الأطلسي أوروبا، بعد ثمانية عقود من الاعتماد العسكري على واشنطن، إلى أن تقف على قدميها. وكان ذلك اعترافًا من الجانبين بأن الولايات المتحدة لم يعد يُعتمد عليها لضمان تحالفات ومؤسسات الغرب التي قادتها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وقال المستشار الألماني فريدريش ميرتس، في خطاب افتتاح المؤتمر، إن النظام الدولي القائم على القواعد «لم يعد موجودًا»، مشيرا إلى أن ادعاء الولايات المتحدة للقيادة العالمية قد تم «التشكيك فيه وربما إضاعته».
وتحدث كل من ميرتس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن سعي أوروبا نحو الاستقلال العسكري، حيث ناقش ميرتس الردع النووي الأوروبي المشترك، جزئيًا لتحسين الدفاعات وجزئيًا لتكون حليفًا أقوى للولايات المتحدة. وقال ماكرون: «أوروبا الأقوى ستكون صديقًا أفضل لحلفائنا، وخاصة الولايات المتحدة».
وما لم يُقل بشكل صريح هو أن ترامب ركز عقول الأوروبيين عندما دفع لمحاولة السيطرة على غرينلاند، وهي إقليم دنماركي حليف في الناتو، بينما سخر من القادة الأوروبيين الشهر الماضي في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا.
«نسف» العلاقة القديمة
ويشير الأوروبيون، مثل ماكرون، الآن إلى ذلك على أنه «لحظة غرينلاند»، أي الإنذار النهائي. وكانت الثقة الأوروبية في التزام أمريكا بالقيم المشتركة، والأمن الأوروبي، وحتى السلامة الإقليمية، قد تضررت بالفعل، وبعد دافوس تخلى العديد من القادة الأوروبيين عن أمل العودة إلى العلاقة القديمة عبر الأطلسي، بحسب الصحيفة الأمريكية.
وفي ميونخ، يبدو أن المسؤولين الأمريكيين أخذوا ذلك في الاعتبار، فلم تحدث أي سخرية علنية، وكان هناك إشادة بحلفاء مثل ألمانيا الذين زادوا من إنفاقهم العسكري، وبتعهد الناتو بزيادة الإنفاق على الاحتياجات العسكرية الأساسية إلى 3.5% من الدخل الوطني بحلول عام 2035. ويُتحدث عن شراكة أكثر توازنًا إذا قامت أوروبا بدورها في الدفاع التقليدي.
وقال السيناتور الجمهوري عن كارولينا الشمالية، توم تيلس، في ميونخ يوم الجمعة: «لسنا في حرب أهلية مع شركائنا الأوروبيين، نحن في نقاش صريح حول ما يجب القيام به».
لكن إذا كانت الكلمات ألطف، فإن السياسات لم تتغير، بحسب مارك ليونارد، مدير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، الذي قال: «هم يشاركون هنا بطريقة أكثر إيجابية، لكنهم صارمون جدًا فيما يتعلق بنهاية النظام القديم».
ويظل الأوروبيون متشككين وحذرين. قال العديد منهم، مثل وولفغانغ إيشينغر، رئيس المؤتمر، إن الثقة بمجرد فقدانها يصعب جدًا استعادتها، وغالبًا ما يكون من المستحيل إعادة بنائها بالكامل. وأظهرت سلسلة من استطلاعات الرأي أن الأوروبيين العاديين يثقون قليلًا بترامب ولديهم نظرة سلبية تجاه الولايات المتحدة.
وعند سفره إلى ميونخ، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، مكررًا كلام ميرتس: «العالم القديم ذهب — بصراحة، العالم الذي نشأت فيه — ونحن نعيش في عصر جديد في الجغرافيا السياسية، وسيستلزم منا جميعًا إعادة النظر في شكل هذا العالم ودورنا فيه».
مرحلة انتقالية
وقال كولبي أيضًا إن الناتو في مرحلة انتقالية، وأن أوروبا يجب أن تتحمل في النهاية مسؤولية دفاعها التقليدي. وأضاف أن العام الماضي كان الهدف منه «إعادة صياغة وإعادة توجيه العلاقة، وأننا الآن في مرحلة انتقالية».
لكنه أوضح أيضًا أن إدارة ترامب لم تكن تولي اهتمامًا كبيرًا للحديث عن «النظام الدولي القائم على القواعد» أو القيم المشتركة، قائلا: «لا يمكنك بناء تحالف على العاطفة وحدها. وما يهم، هو التزام أوروبا بمشاركة جزء أكبر بكثير من عبء الدفاع لبناء علاقة أمنية جديدة مع الولايات المتحدة تكون أكثر متانة».
وإذا كان هناك شيء، فقد فهم القادة الأوروبيون الرسالة: عليهم أن يفعلوا المزيد لمصلحتهم لتقليل اعتمادهم على الولايات المتحدة، التي وصفها ماكرون في وقت سابق من الأسبوع بأنها «معادية لأوروبا بشكل علني ومصدر الاضطراب لحظة بلحظة».
وافتتح ميرتس المؤتمر بخطاب حازم، معترفًا بـ«الشرخ» في العلاقة عبر الأطلسي، ومعددًا الطرق التي انتهجت بها سياسات ترامب مخالفة للقيم التي كان يعتقد الألمان وغيرهم من الأوروبيين أنهم يشتركون بها مع أمريكا، بما في ذلك معارضة خطاب الكراهية، ومكافحة تغير المناخ، ودعم التجارة الحرة.
وفي الوقت نفسه، قال إنه يعود لأوروبا بناء ركائز أوروبية أقوى داخل حلف الناتو لمصلحة أوروبا والولايات المتحدة على حد سواء. وكان خطابه في جوهره أقل تحليلًا للانقطاع وأكثر دعوة للإصلاح.
وقال إن أوروبا الأقوى، القادرة على الدفاع عن نفسها ومصالحها، تصب في مصلحة أوروبا وستساعد على «بناء علاقة عبر الأطلسي أكثر صحة». وأضاف أن الأمر يعود للطرفين «لإصلاح واستعادة الثقة عبر الأطلسي معًا»، مؤكدًا أن كون أوروبا جزءًا من الناتو يصب أيضًا في مصلحة أمريكا.
ورغم صرامة ميرتس، فإنه يقترح ما يطالب به روبيو وكولبي تقريبًا. لكن بينما يمد يده بحذر، حذر ميرتس إدارة ترامب من تفاقم الأمور وإهدار ثقة الحلفاء أكثر.
وحذر واشنطن، بعد الانتقال من الألمانية إلى الإنجليزية، من أنها بحاجة إلى أصدقاء: «في عصر منافسة القوى الكبرى، حتى الولايات المتحدة لن تكون قوية بما يكفي لتتحرك بمفردها».
وجمع رئيس وزراء ولاية بافاريا، ماركوس سودر، مزاج المؤتمر في افتتاحيته: «سنحترم قيادتكم، لكن ربما تدفعوننا لاحترام أكبر قليلًا».
aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA= جزيرة ام اند امز



