تسوية دمشق و«قسد».. فلسفة «منتصف الطريق» وأمريكا تفعل أدواتها
شهدت الساحة السورية تطورًا سياسيًا وأمنيًا بالغ الأهمية مع إبرام اتفاق وقف إطلاق نار وصفقة أولية لإعادة الدمج، بين الحكومة والأكراد.
ويأتي هذا التطور، بحسب مجلة «ناشيونال إنترست»، في لحظة انتقالية شديدة الحساسية، تتزامن مع تسارع وتيرة الانسحاب العسكري الأمريكي من البلاد، وسعي واشنطن لضمان انتقال منضبط لا ينزلق مجددًا إلى العنف الواسع.
واندلعت شرارة القتال بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية «كردية» في مطلع عام 2026 في الأحياء الشمالية لمدينة حلب، قبل أن يمتد شرقًا وصولًا إلى محافظة الحسكة ذات الغالبية الكردية.
وعلى الرغم من انخراط الولايات المتحدة منذ البداية في جهود الوساطة، فإن شكوكها المتزايدة حيال جدوى مفاوضات التوحيد الطويلة دفعتها إلى الانحياز عمليًا إلى المقاربة التركية–الدمشقية، وهو ما شجّع الحكومة المركزية على توسيع عملياتها العسكرية، وأدى إلى استسلام “قسد” في معظم نقاط التفاوض.
غير أن هذا المسار بلغ نقطة حرجة عندما تجاوزت القوات الحكومية السورية خطوط وقف إطلاق النار المتفق عليها عند نهر الفرات، وتقدمت بعمق إلى شمال شرق البلاد في منتصف يناير/كانون الثاني بقيادة الرئيس أحمد الشرع.
هذا التصعيد أثار قلقًا بالغًا في واشنطن، التي رأت فيه خطرًا مزدوجًا: كارثة إنسانية محتملة، وتهديدًا سياسيًا قد يُفشل المرحلة الانتقالية برمتها. إذ ترافقت التحركات العسكرية مع «مخاوف جدية من أعمال عنف طائفي أو تطهير عرقي محتمل بحق الأكراد، خاصة في ظل الذاكرة القريبة لوقائع شهدتها مناطق سورية أخرى خلال عام 2025»، وفق التقرير ذاته.
وتكمن مفارقة الموقف الأمريكي في أن القبول الضمني باستخدام القوة كأداة لتحقيق الوحدة كاد أن يقوّض الهدف ذاته. إذ إن اندلاع «مذبحة جديدة كان من شأنه إشعال صراع عرقي أوسع، في وقت بدأت فيه أقليات أخرى – مثل الدروز والعلويين – بالمطالبة بحقوق أكبر، أو بترتيبات حكم لامركزية، نتيجة تجاربها السابقة مع العنف والاضطهاد»، بحسب مجلة ناشيونال إنترست.
أمام هذا المشهد، تحركت واشنطن لفرض وقف إطلاق نار عاجل بين دمشق و«قسد»، في محاولة لمنع انزلاق البلاد إلى حرب أهلية طائفية شاملة. إلا أن هذا الاتفاق، رغم أهميته، يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه هدنة هشة، إذ قبِل به الطرفان على مضض، تاركين خلفهما شبكة معقدة من الخلافات الجوهرية التي لم تُحل بعد، ما يجعل خطر تجدد الصراع قائمًا في أي لحظة.
لكنه مع ذلك، يفتح الاتفاق نافذة محدودة – لكنها حقيقية – أمام مسار سياسي قد يقود إلى تسوية دائمة.
وتضمن بنودًا مهمة، أبرزها مرسوم «الشارة» الصادر في 16 يناير/كانون الثاني، والذي يمنح الأكراد حقوقًا ثقافية ولغوية، ويقرّ بمواطنتهم الكاملة، إلى جانب ضمان حصة لهم ضمن البنية العسكرية الوطنية.
وتُعد هذه المكاسب جوهرية بالنسبة لـ«قسد»، إذ تمنح قيادتها مبررات سياسية لمواصلة التفاوض، وتُضعف موقف المتشددين الرافضين لأي تسوية.
في المقابل، تحقق دمشق من خلال الصفقة سيطرة إقليمية على شمال شرق سوريا، وإن كانت مقيدة بتحفظات أمنية وإدارية تحول دون قيام نظام فيدرالي، وهو خيار ترفضه الحكومة المركزية بشدة.
ويهدف هذا التوازن الدقيق إلى طمأنة المجتمع الكردي ومنع أعمال انتقامية فورية، دون المساس بمبدأ وحدة الدولة.
وتقوم الفلسفة الحاكمة لهذا الاتفاق على قاعدة معروفة في أدبيات تسوية النزاعات: «التسوية الجيدة هي التي لا يرضى عنها الطرفان بالكامل».
الرهان الآن يتمثل في نقل محادثات التوحيد من مرحلة الهدنة المؤقتة إلى اتفاق سياسي أوسع، يتجاوز الصيغ المعدلة لاتفاقيتي مارس/آذار وأبريل/نيسان السابقتين.
ومن المرجح أن تواصل الولايات المتحدة الإشراف على هذا المسار حتى مع استكمال انسحابها العسكري، كما يتضح من انسحاب القوات الأمريكية من قاعدة الشدادي عقب سيطرة دمشق على المنطقة، في إشارة واضحة إلى ربط الانسحاب بتسليم الحكومة المركزية السيطرة على المناطق والسجون التي تضم عناصر تنظيم «داعش».
ويُمارس هذا النهج ضغطًا مزدوجًا على الطرفين: فهو يدفع دمشق إلى الاستمرار في التفاوض لضمان الاستقرار، ويُذكّر «قسد» بأن الدعم الأمريكي ليس مفتوحًا إلى ما لا نهاية.
ومن خلال توظيف الأدوات الاقتصادية والدبلوماسية، تسعى واشنطن إلى ضمان انتقال سلس لمهمة مكافحة الإرهاب، مع الحفاظ على مسار سياسي انتقالي هش لكنه ضروري.
في المحصلة، لا يُمثل وقف إطلاق النار الحالي سلامًا بقدر ما هو فرصة ضيقة لتفادي الأسوأ. ونجاحه مرهون بقدرة الأطراف السورية والدولية على مقاومة إغراء استخدام العنف كأداة سياسية مرة أخرى، وتحويل الهدنة الهشة إلى تسوية مستدامة تضع سوريا أخيرًا على طريق الاستقرار، وفق المجلة.
aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA= جزيرة ام اند امز



