أمريكا وإيران.. خبراء يرسمون لـ«العين الإخبارية» المسار الأرجح للمفاوضات
رغم انتهاء أول جولة من المفاوضات بين أمريكا وإيران بشكل «إيجابي»، إلا أنها لم تفض إلى اختراق حاسم ينهي التصعيد الحالي وسط مخاوف من الانزلاق نحو مواجهة أوسع.
ويرى محللون، في حديث لـ«العين الإخبارية» أن المفاوضات الأمريكية الإيرانية لن تفضي بالضرورة إلى اتفاق شامل أو مواجهة عسكرية مباشرة، وإنما هي تعبير عن حالة «إدارة صراع» ممتدة تحكمها حسابات دقيقة لدى الطرفين أكثر مما تحكمها رغبة حقيقية في الحسم.
واستبعد المحللون اندلاع حرب شاملة لأنها «لا تحقق لأي من الطرفين نصرا استراتيجيا واضحا»، مؤكدين استمرار حالة ممتدة من التفاوض المتوتر، والضغوط المتدرجة. وفي قلب هذه المعادلة، تظل إسرائيل عامل عدم اليقين الأبرز، القادر على تعطيل المسار التفاوضي أو دفعه نحو مسارات أكثر خطورة حيث لا ترى التسوية الدبلوماسية حلا حقيقيا لمصالحها، بل تأجيلا للأزمة وتراكما للمخاطر.
وشهدت مسقط الجمعة محادثات غير مباشرة بين الطرفين وصفها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنها «جيدة جدا»، ولفت إلى أن الطرفين سيلتقيان مجددا «مطلع الأسبوع الجاري».
كما أشاد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الذي ترأس وفد بلاده إلى المحادثات في تصريح للتلفزيون الرسمي بـ«أجواء إيجابية للغاية، تبادلنا الحجج وأطلعنا الطرف الآخر على وجهات نظره»، مضيفا أن الجانبين «اتفقا على مواصلة المفاوضات».
وتتمسك إيران بما تعتبره «خطوطا حمراء»، إذ لا تقبل أن تشمل المحادثات سوى برنامجها النووي، وتؤكد حقها في برنامج نووي سلمي. أما الولايات المتحدة التي نشرت قوة بحرية كبيرة في المنطقة وعززت تواجدها في قواعد إقليمية، فتطالب باتفاق أوسع يشمل بندين إضافيين: الحد من القدرة الصاروخية الإيرانية ووقف دعم طهران لمليشيات مسلحة معادية لإسرائيل.
وتدعو إسرائيل الى عدم التهاون في هذين البندين. ولهذه الغاية، يتوجه رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو الأربعاء إلى واشنطن.
وكانت تلك المحادثات الأولى منذ قصف الولايات المتحدة منشآت نووية إيرانية في يونيو/حزيران خلال الهجوم الذي شنته إسرائيل على طهران وتحوّل الى مواجهة استمرّت 12 يوما.
إدارة الصراع
وعن رؤيته للجولة الأولى، يرى الدكتور محمد محسن أبو النور رئيس المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية أنه لا يمكن التعامل مع مسار المفاوضات الإيرانية–الأمريكية بوصفه مسارا تقليديا يفضي بالضرورة إلى اتفاق شامل أو مواجهة عسكرية مباشرة، بل هو تعبير عن حالة «إدارة صراع» ممتدة تحكمها حسابات دقيقة لدى الطرفين أكثر مما تحكمها رغبة حقيقية في الحسم.
ويضيف أبو النور، في حديث لـ«العين الإخبارية» أن الولايات المتحدة، رغم تصعيد خطابها أحيانًا، لا تبدو في وارد فتح جبهة حرب جديدة في منطقة شديدة الحساسية، خاصة في ظل انشغالها بأولويات استراتيجية أكبر تتعلق بمواجهة روسيا في أوروبا، واحتواء الصين في شرق آسيا، فضلًا عن التخوف المزمن من تداعيات أي صراع عسكري واسع على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي. من هذا المنطلق، تستخدم واشنطن التهديد بالقوة كأداة ضغط تفاوضي أكثر منه خيارًا جاهزًا للتنفيذ، بهدف دفع إيران إلى تقديم تنازلات محسوبة دون الانجرار إلى حرب مكلفة وغير مضمونة النتائج.
في المقابل، تدرك إيران بدورها أن الدخول في مواجهة عسكرية مفتوحة مع الولايات المتحدة أو حلفائها الإقليميين يحمل مخاطر جسيمة على استقرار النظام والاقتصاد، خصوصًا في ظل الضغوط الداخلية والعقوبات الخانقة التي أثقلت كاهل الدولة والمجتمع. لذلك، تتعامل طهران مع المفاوضات باعتبارها وسيلة لشراء الوقت، وتخفيف الضغوط الاقتصادية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاعتراف الدولي بمكانتها الإقليمية، دون التخلي عن عناصر القوة الاستراتيجية التي بنتها خلال السنوات الماضية، وعلى رأسها البرنامج النووي وشبكة النفوذ الإقليمي. هذه المقاربة تجعل من التوصل إلى «تفاهمات جزئية» أو «اتفاقات غير مكتوبة» احتمالًا أكبر بكثير من الوصول إلى تسوية نهائية وشاملة تعالج جميع القضايا العالقة، وفق أبوالنور.
ولم يستبعد خبير الشؤون الإيرانية أن يبقى خيار الضربة العسكرية حاضرًا في الخلفية، ليس بوصفه مسارا مرجحا على المدى القريب، وإنما كاحتمال مرتبط بتطورات مفاجئة قد تخرج عن السيطرة، مثل تسارع كبير في البرنامج النووي الإيراني، أو حادث أمني واسع في المنطقة، أو انهيار كامل لمسار التفاوض. وحتى في هذه الحالة، فإن أي عمل عسكري محتمل سيكون، على الأرجح، محدودا ودقيقا، يستهدف إعادة ضبط ميزان الردع لا الذهاب إلى حرب شاملة، نظرًا لما قد يترتب على الأخيرة من تداعيات إقليمية يصعب التحكم فيها.

الحرب أرجح ولكن
واعتبرت الخبيرة الأمريكية المختصة في الشؤون الاستراتيجية، إيرينا تسوكرمان، أن «الحرب أكثر ترجيحا من حوار ناجح ومستدام، لكن النتيجة الأرجح تقع في منطقة رمادية بينهما».
وتشمل هذه المنطقة، وفق تسوكرمان، مفاوضات مطولة تنهار بين الحين والآخر، وضربات عسكرية متبادلة محدودة وتصعيدا سريا، وتفاهمات مؤقتة تُخفف المخاطر المباشرة دون حل النزاعات الجوهرية.
وأكدت أن سبب تفوق الحرب على الحوار الناجح «ليس حتمية حدوثها، بل تراكم فشل الحوافز والثقة والكفاءة المؤسسية لدى كلا الجانبين في الحفاظ على التوافق تحت الضغط».
إضافة إلى ذلك أن الولايات المتحدة وإيران تتفاوضان انطلاقاً من «تصورات متضاربة جوهرياً للتهديدات، فواشنطن تنظر إلى إيران كدولة يرتبط تقدمها النووي وسلوكها الإقليمي ارتباطاً وثيقاً، ويجب تقييدهما في آن واحد».
أما طهران، فتعتبر الملف النووي «وسيلة ضغط لضمان بقاء النظام وتخفيف العقوبات، بينما تنظر إلى النفوذ الإقليمي كعمق استراتيجي لا يقبل المساومة كما ترى التحذيرات الأمريكية على أنها تكتيكات مساومة وليست قيودًا صارمة. ولأن كلا الطرفين لا يقبل بتسلسل أولويات الآخر، تتعثر المفاوضات مراراً وتكراراً بسبب الخلاف حول الترتيب والنطاق بدلاً من جوهر القضية»، وفق المحللة الأمريكية.
حل وسط؟
وبحسب تسوكرمان فإن السياسة الداخلية أيضا تؤثر على فرص نجاح الحوار. ففي إيران، يشكل أي حل وسط مع الولايات المتحدة خطرا وجوديا على سمعة النظام الحاكم، «وقد تُصوَّر التنازلات داخلياً على أنها خيانة أيديولوجية أو دليل على نجاح الضغط».
أما في الولايات المتحدة، وخاصة في ظل نهج تفاوضي قائم على الضغط، فغالباً ما تُعامل الدبلوماسية مع إيران كـ«اختبار للهيمنة» بدلاً من كونها عملية لخفض المخاطر بشكل متبادل، وهذا يضيق هامش المرونة بين المفاوضين والوسطاء.
ورغم كل ذلك، ترى تسوكرمان أن اندلاع حرب شاملة يبقى أمرا مستبعدا، لأنها «لا تحقق لأي من الطرفين نصرا استراتيجياً واضحا».
فالصراع الكبير سيكبد الأسواق العالمية والمنطقة خسائر فادحة، دون أن يقدم أي ضمانة للقضاء على القدرات النووية الإيرانية أو نظامها السياسي.
من جانبها، تدرك إيران أن الحرب المفتوحة تهدد بقاء النظام حتى وإن كانت قادرة على إلحاق أضرار جسيمة، وهذه القيود المتبادلة تشكل سقفا للتصعيد بين الجانبين، بحسب تسوكرمان.
موقف إسرائيل
وبشأن موقف تل أبيب التي تظل أكثر تشددا وحساسية تجاه أي مسار تفاوضي مع طهران، يقول أبوالنور إن إسرائيل تنظر إلى المفاوضات، حتى وإن أسفرت عن تفاهمات أو قيود مؤقتة على البرنامج النووي الإيراني، باعتبارها مسارا يمنح إيران الوقت والشرعية والقدرة على تعزيز نفوذها الإقليمي، وهو ما ترى فيه تهديدا وجوديا طويل الأمد. من هذا المنظور، لا تمثل التسوية الدبلوماسية حلًا حقيقيًا لإسرائيل، بل تأجيلًا للأزمة وتراكمًا للمخاطر.
ومع أن الخطاب السياسي والأمني الإسرائيلي يلوح دائما بإمكانية التحرك العسكري المنفرد، فإن القدرة الفعلية على تنفيذ ضربة شاملة ومستقلة ضد المنشآت النووية الإيرانية تبقى محل تساؤل كبير. فالتعقيد الجغرافي للهدف، وتحصين المنشآت، واحتمالات الرد الإيراني عبر جبهات متعددة، كلها عوامل تجعل أي عمل عسكري إسرائيلي منفرد عالي الكلفة ومحفوفًا بالمخاطر، خاصة في غياب دعم أمريكي مباشر. ولهذا السبب، تميل إسرائيل في الممارسة العملية إلى اعتماد استراتيجية أكثر تعقيدًا وأقل صدامية علنية، تقوم على الجمع بين الضغط السياسي داخل الولايات المتحدة، والعمليات الاستخباراتية والسرية، والتصعيد المحدود وغير المعلن، بهدف تقويض أي مسار تفاوضي لا يلبي شروطها الأمنية القصوى.
ويشير خبير الشؤون الإيرانية إلى أن إسرائيل قد تتعايش مرحليا مع غياب الضربة العسكرية الأمريكية، لكنها لن تتعامل مع ذلك بوصفه نهاية للملف، بل ستواصل العمل على إبقاء الخيار العسكري حاضرا على الطاولة، سواء عبر التأثير على القرار الأمريكي أو عبر خطوات غير مباشرة تهدف إلى إبطاء البرنامج النووي الإيراني ومنع تحوله إلى أمر واقع نهائي. وفي هذا السياق، فإن التحرك الإسرائيلي المنفرد يظل خيارا أخيرا، يُستخدم كأداة ردع وتهديد أكثر منه قرارا وشيكا بالتنفيذ، في ظل إدراك تل أبيب أن أي مغامرة عسكرية غير محسوبة قد تفتح عليها جبهات متعددة يصعب احتواؤها.
المسار الأكثر واقعية
وعن مستقبل الأزمة، ترى تسوكرمان أن الحرب والحوار الناجح ليسا الخيارين الوحيدين، لافتة إلى أن المسار الأكثر واقعية هو مواجهة مطولة تدار عبر اتفاقيات جزئية، وتواصل غير مباشر، واستخدام متقطع للقوة. في هذا السيناريو، تعمل المفاوضات كأداة لإدارة الضغط لا كحل نهائي.
وثمة بديل آخر، وفق المحللة الأمريكية، هو «التوافق الضمني» عبر تفاهمات غير رسمية حول الحدود القصوى، وحدود الرد، ومجالات ضبط النفس المتبادل، وهي أمور لا تدون في اتفاقية رسمية كونها ترتيبات تتسم بالهشاشة والغموض، لكنها قد تستمر لفترات طويلة، و«هذا ليس سلاما، ولكنه ليس حربا» بالمعنى التقليدي أيضًا.
ويتفق معها أبوالنور في أن المشهد الراهن لا يشير إلى تسوية تاريخية وشيكة ولا إلى حرب وشيكة بالمعنى التقليدي، بل إلى حالة ممتدة من التفاوض المتوتر، والردع المتبادل، والضغوط المتدرجة. وفي قلب هذه المعادلة، تظل إسرائيل عامل عدم اليقين الأبرز، القادر على تعطيل المسار التفاوضي أو دفعه نحو مسارات أكثر خطورة، دون أن تكون بالضرورة مستعدة لتحمل كلفة الحرب منفردة.
aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA= جزيرة ام اند امز



