تقنية

«صنع في أوروبا».. منحة المصاعب لصناعة السيارات والاقتصادات


في بداية فبراير/شباط الجاري، دعا كبار المسؤولين التنفيذيين في شركتي «ستيلانتيس» و«فولكسفاغن» الاتحاد الأوروبي إلى اعتماد منحة «صنع في أوروبا» للسيارات المنتجة على الأراضي الأوروبية، لكن يبدو أن هناك تحديات.

الدعوة جاءت على خلفية مساعي الشركات المصنعة للسيارات إلى الحفاظ على التنافسية الصناعية والتقدم في التحول البيئي. وفي الوقت ذاته كشفت عن توترات سياسية واقتصادية أعمق بين الطموحات التنظيمية، السيادة الاقتصادية، والقدرة على قبول السياسات العامة لدى المواطنين.

من طلب صناعي.. إلى رسالة سياسية

وقالت صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية إن منحة “صنع في أوروبا” قد تبدو في ظاهرها مجرد أداة دعم صناعي، لكنها في الواقع إشارة سياسية قوية إلى المؤسسات الأوروبية والحكومات الوطنية، إذ تعترف “ستيلانتيس” و”فولكسفاغن” بشكل ضمني بأن تكاليف الإنتاج في أوروبا أصبحت أعلى بشكل هيكلي مقارنة بغيرها من المناطق.

وأشارت الصحيفة الفرنسية إلى أن هذه التكاليف الزائدة ليست مصادفة، بل هي نتاج اختيارات سياسية واعية تتعلق بالمعايير البيئية، القوانين الاجتماعية، الضرائب، وأسعار الطاقة، موضحة أن كل إجراء يسعى لهدف مشروع، إلا أن تراكمها أدى إلى إضعاف القدرة التنافسية للقطاع الصناعي، لا سيما صناعة السيارات.

في هذا السياق، يظهر طلب المنحة كمحاولة للتصحيح السياسي، فبعد أن شددت الدول والاتحاد الأوروبي القواعد على الصناعة، يُطلب الآن من القطاع العام تعويض التأثيرات الاقتصادية لهذه السياسات عبر دعم مالي مباشر.

أبعاد مالية واجتماعية للمنحة

وأشارت الصحيفة الفرنسية إلى أن تطبيق منحة “صنع في أوروبا” سيترتب عليه تكاليف مباشرة على المالية العامة، سواء كانت على شكل حوافز شرائية، امتيازات ضريبية، أو تفضيلات في المشتريات الحكومية. وبعبارة أخرى، ستمول المنحة من أموال دافعي الضرائب أو عبر الدين العام.

وأوضحت أنه “للمواطنين، يحمل هذا القرار أبعاداً مزدوجة، من جهة، قد تجعل المنحة السيارات، خصوصا الكهربائية، أكثر سهولة في الشراء”.

وتابعت: “من جهة أخرى، فإن تمويلها سيزيد من الضغط على الميزانية العامة، وربما يؤثر على تمويل الخدمات الأساسية أو السياسات الاجتماعية، ما يطرح مسألة العدالة الضريبية: من سيدفع فعلياً، ومن سيستفيد من الدعم؟”.

وأشارت الصحيفة إلى أنه “بالنسبة للهيئات العامة، سيؤدي تشجيع شراء سيارات أوروبية أكثر تكلفة إلى زيادة نفقات الأسطول الحكومي، مع انعكاسات ملموسة على الميزانيات المحلية والوطنية”.

رمزية المنحة في نموذج أوروبي متشابك

ووفقاً للصحيفة الفرنسية، فإن مسألة منحة “صنع في أوروبا” تتجاوز حدود القطاع الصناعي لتكشف عن تحديات أكبر للنموذج الأوروبي، الذي يسعى للتوفيق بين التحول البيئي، السيادة الصناعية، والحماية الاجتماعية.

وتابعت: “غالبا ما تتصادم هذه الأهداف مع بعضها بسبب غياب أولوية واضحة، ما يؤدي إلى زيادة التعقيد وتشويش السياسات الاقتصادية”.

وأشارت إلى أن المنحة تظهر هذا الصراع بوضوح، فبدلاً من تخفيف بعض القيود أو تبسيط القواعد التنظيمية، تختار أوروبا أحيانا تعدد آليات التعويض المالي.

ورأت الصحيفة أن هذا النهج قد يمنح مزيداً من الوقت، لكنه يزيد من تعقيد العمل الحكومي ويضعف وضوح السياسات.

واعتبرت صحيفة “بوليتيك ماتان” الفرنسية أنه بالنسبة لصنّاع القرار، فإن السؤال الجوهري هو: “هل ستستمر أوروبا في تعويض تأثيرات معاييرها بنفسها عبر الإنفاق العام، أم ستفتح نقاشاً صريحاً حول تكلفة هذه الاختيارات التنظيمية؟”.

وأضافت أنه “إذا استمر الوضع على ما هو عليه، قد تتحول منحة “صنع في أوروبا” إلى سابقة تشجع قطاعات صناعية أخرى على المطالبة بالدعم لتجنب الخسارة في بيئة تنظيمية صارمة للغاية”.

ورأت الصحيفة الفرنسية أن طلب “ستيلانتيس” و”فولكسفاغن” لمنحة “صنع في أوروبا” ليس مجرد مسألة دعم صناعي، بل مرآة لتحديات أوروبا الاقتصادية والسياسية، موضحة أنه يعكس التوازن الدقيق بين حماية الصناعة المحلية، الالتزام بالمعايير البيئية والاجتماعية، والحفاظ على العدالة الضريبية والمساءلة المالية أمام المواطنين.

aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA= جزيرة ام اند امز NL

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى